؟ وبأي شيء تحدد مهور الزوجات والبنات والأخوات؟ وبأي شيء تقوّم عروض التجارة في العالم كله؟ وبأي شيء تتم ميزانيات الدول، والشركات والمؤسسات؟ بل إن قوله يؤدي إلى القول بأن العالم اليوم بدون نقود ولا أثمان؟ فهذا القول يجافي الحق والحقيقية والواقع، ويصطدم بالتطبيق في كل البلاد والعباد؟!!!! كما أنه لا يجوز قياس نقودنا الورقية على الفلوس وما جزى فيها من خلاف، لأنها لم تكن نقودًا مستقلة أبدًا، وإنما كانت مساعدة لشراء بعض الأشياء البسيطة التافهة.
والحق أن عملاتنا الورقية نقود اعتبارية ـ كما قال المجمع ـ لها صفة الثمنية كاملة، وتطبق عليها أحكام الربا، ونحوها من الأحكام الخاصة بالتعامل بالدنانير الذهبية والدراهم الفضية.
هذا هو الأصل العام، والمبدأ العام المعتبر، والقاعدة الكلية المقررة، فلا يجوز الاستثناء منها إلاّ بأدلة معتبرة، وموجبات مؤيدة بمبدأ العدل ومقاصد الشريعة الغراء، مثل حالات الانقطاع، والكساد، والتضخم، والانكماش.
ومن هنا فنحن نبحث ـ بإيجاز شديد ـ ثلاثت حالات للمهمور المسماة ونحوها عند الكساد ـ والانقطاع، والتضخم أو الانكماش.
الحالة الأولى: حالة الكساد، وهو أن تقوم الدولة بإلغاء النقود المتداولة، وإحلال نقد آخر مكانها [1] .
وذلك بأن حدد المهر بالروبية، كما في الخليج أيام الاستعمار البريطاني، ثم لما انتهى الاستعمار تبنت كل دولة عملتها الخاصة مثل الريال، والدينار، والدرهم، أو كان المهر بالفرنك الفرنسي، أو العملة الايطالية أو الهولندية أو الاسبانية، أو بالجنيه الذهبي، او الجنيه العادي كما هو الحال بالنسبة لمعظم بلادنا الاسلامية المستعمرة من قبل هذه الدول، أو قامت الدولة نفسها بتغيير عملتها من حيث النوع (من الفضة إلى الذهب أو بالعكس) ، أو حتى الوزن والجودة، كما كان في السابق.
وقد تطرق الفقهاء إلى آثار الكساد على العقود والحقوق والالتزامات بالنسبة لنقودهم السائدة [2] على ثلاثة أقوال:
القول الأول: بطلان عقد البيع الذي تم مؤجلًا بهذا النقد الذي أبطل، وأما غيره مما ترتبت على الذمة من قرض ومهر مؤجل فيجب رد المثل، وهذا قول أبي حنيفة [3] .
القول الثاني: الرد بالمثل من الكاسد لا الجديد مطلقًا، وهذا رأي الأكثرية من الفقهاء [4] ولا يترتب على هذين القولين السابقين ظلم للدائن، لأنهما في النقود المعدنية التي لها قيمة ذاتية سواء كانت دنانير، أو دراهم، ولذلك لا يمكن في نظري تنزيلها على نقودنا الورقية التي إذا
(1) يراجع للمعنى اللغوي للكساد: القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة"كسد"وللجانب الاصطلاحي يراجع: المصابح المنير (2/ 644) وتنبيه الرقود ضمن رسائل ابن عابدين (2/ 60) ط. مطبعة العثمانية 1325 هـ
(2) وهناك تفاصيل فقهية في النقود المغشوشة، والفلوس ليس هذا البحث مجال التطرق إليها، فليراجع إلى تنبيه الرقود (2/ 60 وما بعدها) ، ويراجع: الدكتور علي القره داغي: علاج التضخم في النقود الورقية، ضمن كتابه: بحوث في الاقتصاد الاسلامي ط. دار البشائر الاسلامية 1423 هـ / 2002 م ص 17 وما بعدها
(3) تنبيه الرفود (2/ 63)
(4) وهذا قول لبعض الحنفية (تنبه الرقود(2/ 58 - 61) ، والمشهور في المذهب المالكي (الرهوني(5/ 118) والشافعية (الأم(3/ 33) و الروضة (4/ 37) ، ويراجع: الدكتور علي محيى الدين القره داغي: المرجع السابق ص 24