فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 35

المبحث الثاني: تغير القيمة الشرائية للنقود وأثره على المهور المسماة:

إن من مستجدات عصرنا اعتماد العالم كله على النقود الورقية في تعاملاتها والتزامها، وفي رد الحقوق والالتزامات، تاركًا النقود المعدنية (الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية) منذ أكثر من قرن، بل قد ترك حتى الغطاء الذهبي منذ عام 1971، حينما تبرأت أمريكا عن هذا الغطاء، وإنما تستمد هذه النقود قوتها من القانون والعرف.

ولا مانع شرعًا من اعتبار النقود الورقية نقودًا لأن مبنى ذلك أعراف الناس، فمتى اتفق الناس على جعل شيء مقياسًا للقيم، ومخزونًا للثروة، ومعيارًا للمدفوعات الآجلة فقد أصبح نقدًا معتبرًا، لأن العلة في النقدية هي الثمينة، وأن التعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية: (والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، لأن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال ) [1] .

وقبل الإمام ابن تيمية رحمه الله، قال الإمام مالك رحمه الله كلامًا رائدًا ورائعًا حول الموضوع وهو: (لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة) [2] بل إن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه فطن لذلك، حيث همّ أن يتخذ النقود من جلود الإبل، فقيل له: إذا لا بعير، فأمسك [3] .

وهذا الرأي قد اعتمده قديمًا جماعة من الفقهاء ـ بالاضافة إلى مالك وابن تيمية ـ منهم محمد بن الحسن الشيباني، والشافعية في قولهم الثاني، والحنابلة في المعتمد. قالوا ذلك في وقت كانت النقود الشائعة تنحصر في الدنانير الذهبية والدراهم الفضية.

وهذا ما أقرته المجامع الفقهية بدءًا من مجمع البحوث الاسلامية التابع للأزهر الشريف، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الاسلامي، ومجمع الفقه الاسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي [4] ، حيث جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: قرار رقم 21 (9/ 3) ما نصه: (أولًا ـ بخصوص أحكام العملات الورقية: أنها نقود اعتبارية، فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا، والزكاة، والسلم، وسائر أحكام) .

ولذلك لا عبرة بما يقوله بعض: من أن نقودنا الورقية ليست نقودًا يريد بذلك إباحة النظام البنكي القائم على الربا، والا فيسأل هو نفسه: بأي شيء يتعامل في السوق؟ يشتري ويبيع

(1) مجموع الفتاوى (29/ 471 - 474) ويراجع: الدكتور علي القره داغي: قاعدة المثلي والقيمي وأثره على الحقوق والالتزامات ص 147 وما بعدها

(2) المدونة (3/ 90)

(3) فتوح البلدان للبلاذري ص 515

(4) يراجع: قرار مجمع الفقه الاسلامي الدولي، قرار رقم 21 (9/ 3) ، والبحوث الوارد في هذا الشأن في مجلة المجمع، العدد 3 الجزء 3 صفحة 1650، والعدد 5 الجزء 3 صفحة 1609

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت