فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 35

كل ما قلناه إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين، أما إذا تراضيا عند سداد الدين أو الوفاء بالثمن، أو المهر، أو نحو ذلك تراضيًا بالمعروف على الزيادة، أو النقصان، فإن أحدًا من الفقهاء لم يمنع ذلك، بل هذا ما دعا إليه الاسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة في ذلك، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه بعيرًا، فقال: (أعطوه) فقالوا: لا نجد إلاّ سنًّا أفضل من سنه، فقال: ... (أعطوه، فإن خياركم أحسنكم قضاءً) [1] .

فعلى هذا إذا حل الأجل وجاء المدين ورأى أن المبلغ الذي يرده الآن لا يساوي شيئًا بالنسبة لقيمة المبلغ الذي أخذه، وقدرته الشرائية، فطاب خاطر الدائن ونفسه بالزيادة في المقدار، أو بسلعة أخرى فقد فعل الحسن، وطبق السنة، بل إنني أعتقد أن لا تبرأ ذمته في حالات التغير الفاحش لقيمة العملة محل العقد إلا بإرضاء صاحب الحق، لأن مبنى الأموال وانتقالها في الاسلام على التراضي وطيب النفس بنص القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ ان تكون تجارة عن تراض منكم ) [2] .

فكيف تطيب نفسه عندما يقع الظلم عليه، ويرجع إليه ماله وقد اقتطع منه أجزاء، وأفرغ من كثير من محتواه؟ صحيح أن مبنى القرض على التطوع والتبرع، ولكنه تطوع وتبرع بالوقت الذي أمهله دون مقابل محتسبًا أجره عند الله تعالى، أما أن ينقص ماليته فلا، ولذلك نرى الفقهاء يجيزون رد العين المستقرضة إلى المقرض، ما دامت لم تتعيب بعيب ينقص من ماليته، أما إذا تعيبت فلا يصح ردها [3] ، فكذلك الأمر هنا.

وقد ذكر الإمام ابن السبكي جواز أخذ القيمة في المثلي، إذا رضي الطرفان، فقال: (لو تراضيا على أخذ قيمة المثلي مع وجوده، وجهان أصحهما عند الوالد رحمه الله: الجواز) ثم ذكر أنه يعلل الجواز بأنه اعتياض عما يثبت في الذمة من المثلي [4] .

فلا شك أن مسألة التراضي تحل كثيرًا من مشاكل مجتمع قائم على العدل والاحسان والايثار، مثل المجتمع الاسلامي الذي يقوم على معيار دقيق، وهو: (أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وتكره لأخيك ما تكره لنفسك) [5] .

فهل يرضى الإنسان أن يعود إليه دينه، او يعطي لها مهرها، وقد أصبح لا قيمة له بعد أن كان ذا قيمة جيدة، فهل يرضى أحد أن يعود إليه ليراته اللبنانية، أو السورية، أو التركية

(1) صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ (5/ 56 - 59) ومسلم (3/ 1224)

(2) سورة النساء / الآية 29، وراجع: مبدأ الرضا في العقود، وراجع للأستاذ الدكتور شوقي بنا بحثه السابق ص 68

(3) انظر: الروضة (4/ 35) والمغني لابن قدامة (4/ 360)

(4) القواعد والأشباه والنظائر لابن السبكي، مخطوطة الاسكندرية ورقة 80

(5) فقد روى البخاري بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ورواه غيره بألفاظ وطرق كثيرة، يراجع: صحيح البخاري مع الفتح ـ كتاب الايمان (1/ 57) وأحمد (2/ 31، 3/ 473، 4/ 70) وسنن ابن ماجه (2/ 1410)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت