ونحن لا ندخل في تفاصيل وأحكام هذه المصطلحات الثلاثة التي لا يسع لها هذا البحث، وإنما نتحدث عن التداخل فيما بينها، بأن تكون جناية أحدثت دية كاملة، ومع ذلك أحدثت ما يوجب الأرش، وما يوجب حكومة العدل، وذلك بأن قام شخص بقطع رجل شخص، ثم قتله أو سرى إلى قتله، أو قام بقطع رجله، وإحداث جرح ليس فيه دية، ولا أرش وإنما يوجب حكومة ثم قتله، أو سرى إلى قتله، أو قام بإحداث جرح لا يوجب دية ولا أرشًا ولكن يوجب حكومة عدل، ثم قطع العضو فوجبت عليه دية هذا العضو كاملة، أو سرى الجرح إلى تلف العضو تلفًا كليًا.
ففي هذه الحالات هل نقول بالتداخل، وبالتالي فيكتفى بدية النفس فقط؟ أو العضو فقط؟ أم نقول بعدم التداخل فتؤخذ هذه الديات كلها مع قطع النظر عن النتيجة؟
وقبل أن أجيب عن هذه الأسئلة أذكر ما ذكره الفقهاء في هذا المجال لأصل إلى ما هو الراجح من أقوالهم.
فقد تطرق الحنفية إلى موضوع التداخل بالتفصيل حتى ذكر ابن نجيم ست عشرة صورة [1] ، لا يسع المجال لذكرها وخلاصتها أن الحنفية يقولون: بأن الجنايات على النفس والأطراف إذا تعددت كما لو قطع عضوًا من أعضائه، ثم قتله، فإنها لا تتداخل إلاّ في حالة اجتماع جنايتين على واحد ولم يتخللهما برء [2] .
وأما المالكية فيقولون بالتداخل: إذا كانت الجناية عمدًا وقتل فيها الجاني حيث يكتفى بقتله، ولا يجب عليه شيء آخر حتى لو قطع يد شخص آخر، فلا تقطع يده إلاّ إذا قصد الجاني عليه بجنايته على الطرف مثلة فحينئذ فلا يندرج الطرف في القتل حيث يقتص من الطرف ثم يقتل.
أما إذا لم يتعمد الجاني الجناية على الطرف فإنها لا تندرج في الجناية على النفس، كما لو قطع يد شخص خطأ، ثم قتله عمدًا وعدوانًا، فإنه يقتل به، ودية اليد على عاقلته [3] .
وقد لخص الإمام النووي مذهب الشافعية فقال: (فيجوز أن تجتمع في شخص ديات كثيرة، بأن تزال منه أعضاء ومنافع، ولا يسري إلى النفس، بل تندمل، وهذا بيان الديات. الاذنان، أو إبطال إحساسهما، العينان أو البصر، الاجفان، المارن، الشفتان، اللسان أو النطق، الاسنان، اللحيان، اليدان، الرجلان، الذكر، الانثيان أو الحلمتان والشفران، الاليان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، المضغ، الامناء أو الاحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الافضاء في المرأة، البطش، المشي، وقد يضاف إليها المواضح وسائر الشجات، والجوائف والحكومات، فيجتمع شئ كثير لا ينحصر، فإذا اندملت هذه الجراحات، وجب جميع هذه الديات، وإن سرت فمات منها، وجب دية واحدة بلا خلاف، ولو عاد الجاني، فحز رقبة المجروح. أو قده نصفين، فإن كان ذلك بعد الاندمال، وجبت دية الاطراف ودية النفس لاستقرار دية الاطراف بالاندمال، وإن كان قبل الاندمال، فوجهان، الاصح المنصوص: أنه لا يجب إلا دية النفس، كالسراية، والثاني خرجه ابن سريج، وبه قال الاصطخري، واختاره الامام: تجب ديات الاطراف مع دية النفس، هذا إذا اتفقت الجناية على النفس والاطراف في العمد أو الخطإ، فأما إذا كانت إحداهما عمدا، والاخرى خطأ، وقلنا بالتداخل عند الاتفاق،
(1) الاشباه والنظائر لابن نجيم ط. الهلال ص 134 وما بعدها
(2) الاشباه والنظائر لابن نجيم ط. الهلال ص 134
(3) جواهر الاكليل ط. دار المعرفة (2/ 265)