فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 35

وكذلك إذا سرت جناية على طرف توجب ديته إلى موت الشخص نفسه، وحينئذ يكتفى بدية النفس، والسبب في ذلك أن الجناية واحدة وبالتالي بالعبرة بها وبمآلاتها.

وأما فيما عدا ذلك فلا ينبغي القول بالتداخل وذلك لتعدد الجنايات، وبالتالي فتعدد الديات كل حسب نوعه.

وأيضًا فإن الأصل هو كرامة الانسان وحرمة الاعتداء عليه، ولذلك جعل الحفاظ على نفس الانسان وأعضائه من مقاصد الشريعة الضرورية، ومن هنا فإن أي اعتداء على نفس الإنسان أو ما دونها لا يجوز أن يهدر، لأنه يدخل في حقوق العباد التي يجب الحفاظ على كثيرها، وقليلها، في حين أن حقوق الله تعالى يمكن أن يطبق عليها التداخل.

ومن جانب آخر فإنه يمكن قياس ذلك على الاعتداء على المال بطريق القياس الأولى، حيث يجب الحفاظ على المال قليله وكثيره، وأن أي اعتداء عليه بالاتلاف يوجب التعويض.

ومن جهة أخرى ان الحكمة في إيجاب الديات ترجع إلى أن إطفاء الألم والغيظ في نفس المجنى عليه، وذويه، فيه ترضية لهم، في مقابل حق الانتقام الشخصي، ولذلك فيها جانب من العقوبة الأصلية في حالة الخطأ، أو شبه العمد عند من يقول به، أو العقوبة التبعية كما في حالة العمد الواجب فيه للقصاص، كما أن الدية تعويض للآلام النفسية التي تصيب المجنى عليه [1] .

فإذا كان الأمر كذلك فإن القول بالتداخل يترتب عليه عدم العدالة، وعدم تحقيق هذه الحكم التي شرعت الديات والأروش وحكومة العدل لأجلها.

ثم إن من قطعت أصابعه أولًا، ثم قطعت يده كيف يتساوى مع من قطعت يده مرة واحدة من حيث الآلام؟ لا يستويان، لذلك فإذا عفا الأول ورضي بالدية، فيأخذ أولًا ديات الأصابع الخمس، ثم دية اليد كاملة، وكذلك من قطعت يده، ثم قتل بطريق آخر، وليس بالسراية، ووجبت الدية، فنرى أنه تجب دية اليد، ثم دية النفس كاملة.

ويدل على ذلك أيضًا أن دية النفس ليست تعويضًا كاملًا لنفس المجنى عليه، ولا ثمنًا لها بالاجماع، يدل على ذلك اتفاق الفقهاء على أن من قطع يدي شخص، فعليه دية كاملة، ثم قطع رجليه فعليه دية ثانية، وإذا قطع ذكره أيضًا فعليه دية ثالثة، وإذا قطع الأنف فعليه دية رابعة، وإذا قطع لسانه فعليه دية خامسة، وكذلك القوي والمعانى، فإذا أدى جنايته إلى تفويت معنى، أو منفعة على الكمال ففيه دية كاملة ففي مثالنا هذا لو اعتدى على عينه ولم تتأثر عينه ولكن زالت قوتها ففيها دية سادسة، وكذلك في إذهاب العقل دية كاملة، وفي إذهاب قوة النطق دية كاملة، وهكذا الأمر في قوة الذوق، وقوة الشم، وقوة السمع، وقوة الجماع إذا سقط القصاص، أو أساسًا لم يجب إلاّ الديات [2] .

وقد وجدت عندنا في قطر في الشركة الاسلامية القطرية للتأمين حيث إن أحد المشتركين في التأمين التكافلي قد ضرب بسيارته شخصًا باكستانيًا أدى إلى الاضرار ببعض اطرافه، وقواه، فقضت المحكمة بأربع ديات كاملة مع أن الشخص قد عاش بعد ذلك.

وقصدي من ذلك أن ما ذكرناه من الاجماع على توافر أربع ديات كاملة، أو أكثر أو أقل في الحالات السابقة، إن دل على شيء فإنما يدل على أن دية النفس ليست تعويضًا كاملًا عن الانسان ولا قيمة له، وإلاّ قوّم بدية واحدة في جميع الأحوال.

(1) د. أحمد فتحي بهنسي: الدية في الشريعة الاسلامية ط. مكتبة الانجلو المصرية 1357 هـ ص 12

(2) يراجع في ذلك: الموسوعة الفقهية الكويتية، ومصادرها (21/ 64 - 82)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت