وعدم التبدل أو عدم التحول بمعنى واحد عند الرازي، والحكمة من التكرار كما يراها تتمثل في أن"عدم التبديل يفيد حصول العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره، وأن عدم التحويل يفيد حصول العلم بأن العذاب لا يتحول عن مستحقيه إلى غيرهم" [1] ، فتكامل المعنيان.
فإذا اقتضت سنة الله تعالى نصر المؤمنين العاملين بمنهجه، والمنفذين أوامره، فإن هذه السنة ثابتة إلى أن يشاء الله تعالى لها ذلك، فهي بهذا ثابتة لا تتغير، وبالمقابل إذا اقتضت سنة الله تعالى معاقبة المجرمين والمفسدين في الأرض المتنكبون لشرعه تعالى، والعاصين لأوامره، فان هذه السنة كذلك ثابتة لا تتغير، والعبرة دائما بالعاقبة والخاتمة.
والذي يعنينا هنا أن نذكر أن الله تعالى لا يفرق بين المتماثلين كما انه سبحانه لا يساوي بين المتناقضين [2] .
والقرآن الكريم يضرب لنا الأمثلة من الأمم السابقة لتكون لنا نبراسا وهاديا في صياغة مستقبل الأمة وما يجب لها أن تكون عليه بين سائر الأمم، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [55: النور] .
وهكذا فان سنن الله تعالى في الحياة ثابتة لا تتغير ولا تتحول، أما ما نلاحظه اليوم من علو أهل الكفر على أهل الإيمان فان ذلك مرده إلى حكمة يريدها الله تعالى بنا بعد أن تركنا التمسك بالنهج القويم، وما أن نعود إلى كتاب ربنا، ونلتزم أوامره حتى تتحقق فينا سنته تعالى في تغيير هذا الوضع إلى الوضع الصحيح السليم. وهذه سنته سبحانه التي قد خلت من قبل وهي"طريقة الله سبحانه وعادته السالفة في نصر أوليائه على أعدائه" [3] .
وقد اخترنا هذه الخاصية من عموم قوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن} [47: آل عمران] ، وهذه الخاصية تنبني على ما سبقها، فقوله تعالى: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [43: فاطر] يقضي بان هذه السنة متحققة لا محالة.
وسننه - سبحانه وتعالى - كما هو قضاؤه متحققة لا محالة، لأن السنن جزء من القضاء، ولا راد لأمر الله ولا لقضائه، ولن يستطيع البشر بكل ما أوتوا من قوة وجبروت أن يحولوا دون وقوع سنن الله تعالى وتحققها ونفاها، فكل القوى أمام قوة الله لا شيء،"فوعده صادر عن إرادته الطليقة، وعن حكمته العميقة. وهو قادر على تحقيقه، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه، ولا يكون في الكون إلا ما يشاء" [4] ،
(1) انظر: الرازي، مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج 12، ص 493.
(2) ابن تيمية، مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 4، ص 207.
(3) انظر: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن محمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، ط 1، بيروت، لبنان، 2002 م، ج 16، ص 280.
(4) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 5، ص 479.