فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المبحث الثالث
خصائص السنن الإلهية
تتميز السنن الإلهية أنها من عند الله تعالى، ولأنّ الأمر كذلك فإنّ هذه السنن الإلهية تختص بخصائص تتناسب مع كونها من عند الله تعالى، ولعلّنا في هذه الدراسة لا نريد الإسهاب في هذا الأمر إلا بالقدر الذي يوضح المعالم ويفي بالغرض.
وسنن الله تعالى من منظور القرآن الكريم لها خصائص عديدة، فالناظر والمتفحص في آيات الله تعالى وسننه ومنهجه سبحانه في تسيير شؤون الكون، يرى أن هذه الخصائص لازمة لا تنفك عن هذه السنن تحقيقا لعدل الله تعالى وحكمته وعظمته، وسأكتفي بذكر ثلاثة من هذه الخصائص، مستشهدا عليها بالدليل القرآني، مستعرضا بعض أقوال المفسرين في الآية موضع الاستشهاد.
الخاصية الأولى: عدم التبدل أو التحول (الثبات) :
وقد اخترنا هذه الخاصية من قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [62: الأحزاب] وقوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [43: فاطر] .
وهذا من تمام الحق، وكمال العدل، وعظمة التشريع، فالثبات صفة تتميز بها السنن فهي ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، وعليه فيمكن القياس على نتائجها بالنظر إلى مقدماتها، فالمسلم مأمور أن يٍُعمل بصره وبصيرته في سير الأولين لتكون له العبرة، وهو مطمئن لثبات تلك السنن وبأنه يمكن له أن يستفيد منها في أيامه ومستقبله.
و (لن) في قوله تعالى تفيد النفي مع التأبيد، فيما يعني بالضرورة الثبات لهذه السنن، وليكون في ذلك زيادة في التأكيد"أن الله لا يخالف سنته لأنها مقتضى حكمته وعلمه فلا تجري متعلقاتها إلا على سَنن واحد، والمعنى: لن تجد لسنن الله مع الذين خَلَوْا من قبل ولا مع الحاضرين ولا مع الآتين تبديلًا" [1] .
وهذا الثبات يمكن أن نلحظه إذا ما استعرضنا سريعا أحداث التاريخ وكيف كانت انتصارات الأمم السابقة، وكيف كان انهزامها، من خلال تعامل هؤلاء وهؤلاء مع سنن الله تعالى.
يقول سيد قطب رحمه الله في تعليقه على هذه الآية: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [43: فاطر] :"وهكذا يربط نصرهم وهزيمة الكفار بسنته الكونية الثابتة التي لا تتبدل. فأية سكينة؟ وأية ثقة؟ وأي تثبيت يجده أولئك المؤمنون في أنفسهم؛ وهم يسمعون من الله أن نصرهم وهزيمة أعدائهم سنة من سننه الجارية في هذا الوجود؟ وهي سنة دائمة لا تتبدل" [2] .
(1) انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد
الطاهر بن عاشور التونسي، التحرير والتنوير، نسخة مؤسسة التاريخ العربي، ط 1، بيروت، لبنان، 2000 م، ج 11، ص 326.
(2) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 6، ص 481.