القادرون على سبر أغوار هذه السنن ومعرفتها وفهمها وبالتالي إلى حسن توظيفها بما يساعد على استشراف وبناء مستقبل أمة الإسلام بل ويساهم في رفد الحضارة الإنسانية.
ويحق لنا أن نفخر نحن معاشر المسلمين بأن السنن الكونية مستمدة من كلام الله تعالى الكامل والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن علم الله تعالى المطلق الكامل، وليس من وضع الإنسان القاصر والناقص في كل شيء، والمطلوب منا هو السير في الأرض بالبصر والبصيرة لندركها ونفهمها ونعتبر بها.
وأخيرًا؛ فإن الباحثين يريدان من هذه الدراسة أن تكون موجها لهما في استشراف المستقبل من منظور القرآن الكريم وفق سنن الله تعالى في الأمم السابقة.
يقول الإمام سيد قطب في تعليقه على قوله تعالى {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} :"والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض. يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور. فهم ليسوا بدعًا في الحياة ; فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافًا، إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين; بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول" [1] .
ونحن في هذه الدراسة نحاول أن نستشرف خط السير على ضوء ما كان في الماضي، من باب حسن الأخذ بالأسباب، على اعتبار أن سنن الله تعالى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وهذه السنن مذكورة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لا يعرفها إلا عالم بالكتاب والسنة، ومن استكشفها وعلمها استطاع أن يعرف الماضي وأن يتحسس المستقبل.
المبحث الأول
تعريف السنن الإلهية
يجدر هنا أن نحدد المعنى المراد من السنة، باعتبار تنوع تخصصات العلم الشرعي، الأمر الذي يقتضي تغير المعنى من علم إلى آخر، فالسنة عند المحدثين تختلف عنها عند علماء أصول الفقه، وتختلف كذلك عنها عند الفقهاء، وكلا من المفسرين وعلماء العقيدة الإسلامية، ونشير هنا أن هذه التعريفات بينها تداخل واضح وبين، الأمر الذي يعيننا في الوصول إلى المعنى الذي سنختاره في هذه الدراسة.
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط 3، ج 1، ص 450.