فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 33

المسلمين في خلال الحروب الصليبية ثم بما اكتسبوه من ممارسة كتب التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة النبوية قد نظموا ممالكهم على قواعد العدل والإحسان والمواساة وكراهة البغي والعدوان فعظمت دولهم واستقامت أمورهم وإن كان ذلك على الأقل في الظاهر [1] .

يقول الالوسي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية:"أي ما صح وما استقام بل استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها وبلغتك أنباؤها أو ما يعمها وغيرها من القرى الظالم أهلها، والمراد تنزيه الله تعالى عن ذلك على أبلغ وجه وإلا فلا ظلم منه تعالى فيما يفعله بعباده كائنًا ما كان لما علم من قاعدة أهل السنة) [2] ."

الله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يقع منه ظلم سبحانه، ولا يسأل عما يفعل، ولكنه سبحانه يقرر سنة إلهية ليكون المؤمن على في سكون وطمأنينة، وليكون الكافر في خوف ورعب، وتلك سنة الله تعالى.

سيد رحمه الله تعالى يعلق على هذه الآية الكريمة،"إنها تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم. فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال. وإما بهلاك الانحلال والاختلال!"

فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب ... وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره ... إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع" [3] ."

نعم، إن مهمة المسلمين اليوم أن يبذلوا جهدهم في دفع الظلم والفساد، وليعذروا أنفسهم أمام الله تعالى في قول الحق والجهر به، دون خوف ولا وجل على دنيا تافهة، وعَرَض قاصر، وحتى ينقذوا أمتهم من أن يستحقوا العذاب والنكال والضياع.

الفرع الثالث: ما يستفاد من هذه السنة في استشراف المستقبل:

على المسلمين اليوم أن يدركوا، أكثر من أي وقت مضى، أن للنصر أسبابا يجب عليهم أن يباشروها، وأنهم مؤاخذون أن هم قصروا في امتلاكها، وان النصر إنما يكون مع الإيمان والعدل، ولا يكون مع الظلم

(1) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، مصدر سابق، ج 10، ص 23.

(2) انظر: الالوسي، روح المعاني، مصدر سابق، ج 8، ص 406.

(3) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 4، ص 273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت