صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [1 - 3: العنكبوت] .
إن النصر له أسبابه، كما أن للهزيمة أسبابها، فأيما أمة امتلك الأسباب لأحدهما باءت بالنتيجة الحتمية لذلك، غير أن هذا الامتلاك للأسباب يقع في مقدور واختيار الأمم، ولهذا من سعى للعزة وسلك طريق النصر واستجمع أسبابه، استحق النصر من الله تعالى، وآلا باء بالثانية.
أما الهزيمة والهلاك للكافرين، فهذا مقرر من الله تعالى وفق سنة لا تتبدل ولا تتحول، وسأقف عند آية واحدة من الآيات التي ذكرت سابقا، مستعرضا أقوال بعض المفسرين لها، وهذه الآية هي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [117: هود] .
وفي هذه الآية الكريمة بيان لعدل الله ومنته، وانه سبحانه لا يظلم أحدا، فما كان ليعذب قوما أو ليهلكهم وهم لا يستحقون هذا العذاب والإهلاك، حاشا لله.
إن مفهوم المخالفة في هذه الآية يفيد أن الله لا يهلك القرى المصلحة بل يهلك القرى التي استحقت هذا الإهلاك.
وفي هذا يقول الإمام الرازي"إعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم" [1] .
وسنة الله تعالى ثابتة في هزيمة الظالمين وإهلاكهم، ما دام أنهم طغوا وتجبروا وظلموا وأفسدوا، وهذه القاعدة جارية على كل الأمم، سواء كانت مسلمة أم كافرة، ذلك أن العدل أساس الملك ودوامه وسبب في عدم الاستئصال والهلاك، فلو أن أمة كافرة أقامت العدل بين رعاياها ولم يظلم بعضهم بعضا لم تكن السنة جارية عليهم بالهلاك وهم على ذلك، والعكس صحيح، فلو أن أمة مسلمة انتشر فيها الفساد وغاب عنها العدل وانتشر الظلم بين أفرادها لجرت عليهم سنة الله تعالى في إنزال العذاب بالشكل الذي يقرره الله تعالى، وجاء في رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية أن"الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام" [2] .
ولابن عاشور رحمه الله في تحريره وتنويره مثال على ذلك فهو يقول: فلو أن قومًا غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله لاجتنوا من سيرتهم صورًا تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون لأن تلك الأعمال صارت أسبابًا وسننًا تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سننًا وقوانين عمرانية سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد. ألا ترى أن القادة الأوروبيين بعد أن اقتبسوا من الإسلام قوانينه ونظامه بما مارسوه من شؤون
(1) انظر: الرازي، مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج 8، ص 486.
(2) انظر: ابن تيمية، رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ج 1، ص 26.