فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 33

إنها سنة الله تعالى الثابتة في نصر المؤمنين، بل إن القرآن الكريم ليذكر أن الله تعالى"يجمع في هذه الآيات بين إرسال الرياح مبشرات، وإرسال الرسل بالبينات، ونصر المؤمنين بالرسل، وإنزال المطر المحيي، وإحياء الموتى وبعثهم" [1] .

يضيف سيد قطب رحمه الله تعالى:"وسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين، وجعله لهم حقا، فضلا وكرما، وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكا ولا ريبا وكيف والقائل هو الله القوي العزيز الجبار المتكبر، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، يقولها سبحانه معبرة عن إرادته التي لا ترد، وسنته التي لا تتخلف، وناموسه الذي يحكم الوجود" [2] . وهذا الوعد بالنصر يترقبه المسلم بثقة ويقين.

وفي قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} ، يقول الزمخشري: أن هذا"تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم" [3] .

وعند الإمام الالوسي رحمه الله تعالى أن هذا الوعد"فيه مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم وإشعار بأن الانتقام لأجلهم، والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا، وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم اختصاصه بها وأنه عام لجميع المؤمنين" [4] .

إذن فسنة الله تعالى في نصر المؤمنين لا تتخلف، فهي وعد من الله {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [111: التوبة] ، بالطبع لا أحد.

على انه يجب أن يعلم أن سنة الله تعالى في النصر قد تتأخر في المنظور البشري، ولكنها في علم الله تعالى تأتي على وقتها المناسب المحدد، الذي لا يصلح أن يكون في غيره، وعليه ينبغي للمسلم الواثق بوعد الله تعالى بالنصر أن لا يستعجل هذا النصر، بل عليه أن يحقق أسبابه ويعمل بمقتضاه ثم يترك الأمر لله يفعل ما يشاء ويختار.

وعلى أن يدرك المسلم أيضا أن سنة الله تعالى ووعده بنصر المؤمنين، هو دعوة واضحة وبينة بان للنصر أسباب ومقومات أولها الإيمان بالله تعالى وطاعته وطاعة نبيه، وليس آخرها الإعداد والاستعداد، والأخذ بالأسباب، بل إن بين هذا وذاك من التمحيص والابتلاء والمشقة والعنت، ما يجعل النصر فقط لمن يستحقه ممن ينجح في هذا الاختبار وذاك التمحيص الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ

(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 5، ص 493.

(2) المصدر نفسه، ج 4، ص 2774.

(3) انظر: الزمخشري، الكشاف، مصدر سابق، ج 5، ص 264.

(4) انظر: محمود الالوسي، (ت 127 ه‍ (، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، 1987 م،

ج 15، ص 384.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت