{وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [6: الروم] .
وسنن الله بهذا نافذة لا تتخلف، فحيث ما وجد مقدمات الأمر كانت نتيجته متلازمة معه، لهذا قص الله تعالى علينا قصص الأمم السابقة لتكون لنا عبرة وعظة، حتى لا نفعل مثل ما فعلوا فنهلك مثل ما هلكوا، بل يريد الله تعالى منا أن نأخذ بأسباب الحيطة والحذر أن يصيبنا ما أصابهم، وفيه إفادة أن الأمر متحقق الوقوع.
وقد بين الله تعالى في غير موضع من القرآن الكريم أنه من يعمل سوءًا يجز به، ومن يعمل خيرا يلاقيه، قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [7 - 8: الزلزلة] .
ومفاد ذلك أن الجزاء والنتيجة متعلقتان بالمقدمة"لأن الجزاء بحسب سنة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه، فسنة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم. ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل بهم، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها" [1] .
وقد أخذت هذه الخاصية من عموم الآيات الكريمة التي تتحدث أن كل من يعمل شيئا فهو ملاقيه أن خيرا فخير وان شرا فشر ولا يستثنى من هذه القاعدة أحد، قال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [123 - 124: النساء] .
وهذه الخاصية تعني أن السنن الإلهية شاملة لكل البشر، لا تحابي أحدا على أي أساس ولا تستثني أمة من هذه القاعدة الكلية الشاملة، فسنن الله تعالى لا تنخرم، فهي عامة لكل من يقع في جانب من جوانب السنن الإلهية، فلا اعتبارات لفرد على فرد، ولا لأمة على أمة، ولا لجماعة على جماعة، فهي سنن مطردة، وهي بهذا تنطبق على كل أمة بما يناسب فعلها والتزامها بحيثيات تلك السنن.
وهذه قاعدة كبرى في الإسلام متعلقة في العمل والجزاء كما يصفها سيد رحمه الله عند تعليقه على الآية السابقة وهي"أن ميزان الثواب والعقاب ليس موكولًا إلى الأماني. إنه يرجع إلى أصل ثابت، وسنة لا تتخلف، وقانون لا يحابي. قانون تستوي أمامه الأمم -فليس أحد يمت إلى الله سبحانه بنسب ولا صهر- وليس أحد تخرق له القاعدة، وتخالف من أجله السنة، ويعطل لحسابه القانون ..."
(1) عبد الكريم زيدان، السنن الإلهية، مصدر سابق، ص 15.