فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 33

إن صاحب السوء مجزى بالسوء؛ وصاحب الحسنة مجزى بالحسنة. ولا محاباة في هذا ولا مماراة" [1] ."

والشمولية من مقتضى العدل والحكمة، فلو انخرمت سنة من السنن لقوم دون غيرهم لصار ذلك مدعاة إلى الركون عن هذه السنن وبالتالي إلى عدم الاطمئنان إلى عموميتها وشمولها، أما والحال غير ذلك فان الاطمئنان كل الاطمئنان والثقة كل الثقة، في هذه السنن بما يلبي الحكمة من معرفتها والعمل بمقتضاها.

وقد ذكر الجمهور أن"لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله" [2] .

والذي يؤكد شمولية السنن الإلهية أن الناظر في التاريخ البشري يجد أن ما انطبق على أمة أخذت بالسنن ينطبق على آية أمة أخذت بتلك السنن، بل أن الناظر في التاريخ يجد أن السنن لا تحابي أحدا، حتى المسلمون عندما يتنكبون هذه السنن فانه مصيبهم ما أصاب غيرهم ممن تنكب تلك السنن، ولا أدل على ذلك ما حصل للمسلمين في غزوة أحد.

إذن فسنة الله تعالى عامة شاملة، لا تستثني أحدا ولا تحابي أحدا، بل"إن الله تعالى ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، فالباغي يصرع في الدنيا، وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك لأن العدل هو نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها عند الله تعالى من خلاق" [3] .

المبحث الرابع

العلاقة بين السنن الإلهية

واستشراف المستقبل

ليس من التكرار الممل أن نذكر إن دراسة السنن الإلهية المستقاة من منظور القرآن الكريم من الواجبات العظيمة التي ينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يلموا بها ويعرفوها؛ ليستفيدوا منها في تفسير الأحداث وبالتالي لتوظيف هذه المعرفة في استشراف المستقبل الذي ينبغي أن يكونوا عليه، على اعتبار أن هذه السنن تحدث وفق علم الله تعالى وحكمته التي جعلت للأحداث والمتغيرات سننًا لا تتبدل ولا تتحول، وهي متحققة ونافذ على العموم بحيث لا تستثني أحدا ولا تحابي أحدا.

والسنن الإلهية بما تتصف به من خصائص مر بيانها، تمثل مادة غنية وأدوات لا بد منها لاستشراف المستقبل، فالمسلم إنما يستمد علمه من هذا القرآن الكريم، وهو بهذا المصدر، كما ذكرنا، الوحيد الذي يمتلك المصداقية في علومه ومعارفه، لأنه يستمدها من كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو بالتالي الأقدر والأصدق في التعبير عن استشراف المستقبل وفق ذلك كله دون ادعاء أو افتراء.

(1) انظر: سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 2، ص 243.

(2) انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 5، ص 396.

(3) انظر: ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت