فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 33

وعملية استشراف المستقبل كما بينا في موضعه، تعتبر عملية منظمة تبدأ من دراسة الماضي بكل ما فيه من أحداث وسنن، لتمر بالحاضر المعاش، لتقيم الأمة موقعا بالنظر إلى ذلك، ثم هي مدعوة بأعمال البصر والبصيرة في استشراف المستقبل الذي تنشد، ولا تتم هذه العملية بالشكل الصحيح إلا إذا درسنا سنن الله تعالى فيما سبق من الأقوام، ونظرنا إلى التاريخ بعين الناقد البصير.

وعليه فان دراسة السنن الإلهية تعتبر الخطوة الأساسية الأولى، ولا أقول الوحيدة، في سبيل استشراف مستقبل زاهر للأمة الإسلامية.

إن علماء اليوم مدعون كما يرى الإمام محمد رشيد رضا [1] إلى ايلاء علم السنن الإلهية كل عناية ورعاية، وهم مدعوون لاستلام دورهم في صياغة المستقبل.

والسنن الإلهية من منظور القرآن الكريم تبعث كما ذكرت سابقا في نفس المؤمن الطمأنينة والرضا، هذه الطمأنينة وذاك الرضى ينبعان من ثبات واطراد وشمول تلك السنن وجريانها بسنة لا تتبدل ولا تتحول، فيبقى المسلم منتظرا لوعد الله تعالى له أن هو أخذ بالأسباب وسار على تلك السنن، فيجاري هذه السنن، وينتفع بها ويستفيد منها ليقينه بأن الله تعالى لا يخلف وعده.

ومن الضروري أن نذكِّر بكلام الإمام

سيد قطب في هذا المقام حيث قال:"فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافًا، إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام. واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق. ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين; بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول" [2] .

إذن فالعلاقة وطيدة بين دراسة السنن الإلهية وعملية استشراف المستقبل، فإن المستقبل الإسلامي مرهون فيما وصل إليه الباحث في دراسته بحسن التعامل مع سنن الله تعالى في خلقه، ومرهون كذلك في حسن توظيف تلك المعرفة لصالح المشروع المستقبلي للعالم الإسلامي، وهذا وذاك منوط بحسن فهم آيات الله تعالى، وحسن تدبرها، وعبقرية الانطلاق منها إلى صياغة المستقبل الذي نريد ونحب.

يقول الإمام المراغي في تفسيره المعروف باسمه:"إن النظر في أحوال من تقدمكم من الصالحين والمكذبين يهديكم إلى الطريق المستقيم، فإن انتم سلكتم طريق الصالحين"

(1) انظر: محمد رشيد رضا، (ت 1354) ، تفسير القرآن الحكيم، نسخة دار المنار، ط 2، 1947 م، ج، ص 145.

(2) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 1، ص 450.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت