فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 33

أن جعل سبحانه لكل شيء سببا، وعلى هذا لا يصح القعود عن العمل والإنجاز بحجة أن الله تعالى يفعل ما يريد وان الإنسان لا ينفعه عمله ولا يضره تركه، بل إن المسلم مأمور أن يبذل الجهد والوسع كما ذكرت ثم بعد ذلك يحسن التوكل على الله تعالى، فانه لا يصير في هذا الكون إلا ما أراد الله تعالى.

الفرع الثالث: ما يستفاد من هذه السنة في استشراف المستقبل:

أعجب ظاهرة في تاريخ الحياة البشرية، كما يراها سيد قطب رحمه الله، هي ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب! به عاشت. وعليه اعتمدت في الدرجة الأولى [1] . ويمكن لهذه الأمة أن تعاود الانبثاق من جديد إن هي أحسنت التعامل مع نصوص الكتاب مرة أخرى، وإن هي عاشت به، واعتمدت عليه كما في المرة الأولى، وهي مؤهلة لذلك بكل ما أوتيت من هذا الكنز العظيم وبما حباها الله تعالى من الفهم السليم، والفطرة السليمة الصافية النقية.

ودراسة السنن الإلهية خير زاد لهذا الانبثاق وتلك الانطلاقة، فعندما ندرك أن الأخذ بالأسباب مدعاة لحصول الفوز والنجاح فنحن مطالبون بفعل ذلك أن أردنا الفوز والنجاح، وأيما أمة فهمت السنن الإلهية والتزمتها وتعاملت معها بجدية ويقين وأولتها

العناية والرعاية المناسبة كان لها ما تريد وفق سنن الله تعالى الثابتة.

وفي هذا يقول الإمام الزحيلي في تفسيره المنير:"السنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين الموفقين حظي بالسعادة والنصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة المذنبين كانت عاقبته خسرا ودمارا وهلاكا، ففي أحوال المسلم أن من سار على الأصول المطلوبة والنظم العلمية والخبرات المعروفة في شؤون الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، نجح وظفر بمراده، وان كان ملحدا أو وثنيا أو مجوسيا، وإن جانب المعقول، وخرج عن المألوف، كان من الخاسرين وإن كان صالحا تقيا"، ثم يقول:"ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبر التاريخ، وعرف الأخبار، يجد مصداق تلك السنن الإلهية الثابتة، وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء" [2] .

أن الاستفادة من سنة الله تعالى في الأسباب تتمثل في دراسة الأسباب الموجبة للنهوض والنصر والتمكين، ورفض كل مفردات الهزيمة والنكوص والخمول، لينطلق منها إلى وضع برنامج عملي بعد حصر أسباب الغلبة والقوة والتمكين، من منظور القرآن الكريم ووفق هديه.

إن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع الإيمان بالقدر، بل النشاط الحركي للانبثاق

(1) انظر: سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي، نسخة دار الشروق، ط 1، بيروت، 1986 م، ص

(2) انظر: وهبة الزحيلي، التفسير المنير، دار الفكر المعاصر، ط 1، بيروت، لبنان، 1991 م، م 4، ج 4، ص 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت