فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 33

عن كيفية توظيفها واستغلالها بما يحقق له هدفه، فتجد القرآن الكريم يقول معلقا بعد أن آتاه الله تعالى الأسباب، بقوله، ثم اتبع سببا.

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى معلقا على قصة ذي القرنين أنه:"النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب؛ فيجتاح الأرض شرقًا وغربًا؛ ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق؛ ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه. . إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل؛ ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعبير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق" [1] .

ذلك هو بيان قوله تعالى، ثم اتبع سببا، أي أن ذي القرنين وظف كل ما وهبه الله إياه من أسباب في خدمة هدفه وغايته. ومعناه عند الإمام الرازي"أنه تعالى لما أعطاه من كل شيء سببه فإذا أراد شيئًا أتبع سببًا يوصله إليه ويقربه منه، وأنه إذا أراد بلوغ المغرب فإنه يتبع الأسباب التي توصله إليه حتى يبلغه" [2] .

إن متابعة الأسباب والبحث عنها مدعاة إلى النجاح والوصول إلى الهدف المنشود، وها هو الزمخشري في كشافه يذكر أن ذي القرنين اتبع سببا لكل غاية أرادها، يقول الزمخشري:

"فأراد بلوغ المغرب فَأَتْبَعَ سَبَبًا يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سببًا، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سببًا" [3] .

إن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعًا لا ينافي التوكل على الله بحال، ألم نقرأ قوله تعالى إلى مريم وهي في اضعف حالاتها، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [25: مريم] ، وهذا في حق العباد ظاهر ولازم في أن يبذلوا الأسباب للوصول إلى النتائج.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام نفيس في الأسباب، فهو يرى أن"السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بدَ معه من أسباب أخر ومع هذا فله موانع. فان لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود" [4] .

وينبني على هذا أن المطلوب يحصل بتحقق جميع أسبابه، وانتفاء جميع ما يمنع من حصوله، والمسلم مأمور في ذلك أن يبذل كامل وسعه وجهده وطاقته لتوفير الأسباب وإبطال موانع حصولها، وتبقى بعد ذلك النتائج على الله تعالى، الحكيم الخبير العدل.

وسنة الله تعالى في الأسباب والمسببات

(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 5، ص 81.

(2) انظر: الرازي، مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج 10، ص 247.

(3) الزمخشري، الكشاف، مصدر سابق، ج 4، ص 46.

(4) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مصدر سابق، ج 1، ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت