الصفحة 24 من 39

"المؤمنون"وصفًا لحال أتباع الأنبياء، ومن ثم دعوة لنا للتحقق، فإن الحديث هنا عن فئة خاصة من المؤمنين من أهل الكتاب في جملة صفات إيمانية، وذلك متناسب مع موضوع سورة آل عمران التي تتضمن محاججة أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإذعان للحق ومحاورتهم في كثير من قضاياهم وحججهم.

-الموضع الثاني، في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (133 - 136: آل عمران) لما سبق بيان أن المسارعة إلى الخيرات صفة أكمل الخلق؛ الأنبياء، وصفة أتباع الأنبياء والمؤمنين من أهل الكتاب، جاء الأمر لنا للتحقق بذلك كله لنسير على هدي الأنبياء ونكون من أتباعهم حقًا، وهذا التسلسل فيه ما فيه من كمال الحض على التحقق، وبيان فضيلة المسارعة إلى الخيرات والمغفرة ومقام أصحابها.

ويقابل هذه الآية آية سورة الحديد التي جاء فيها قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... } وسنرى ما بين هاتين الآيتين من فروق، ولِمَ كان نظم كلٍ كذلك، لكنه يلاحظ:

-أن ثمة وحدة موضوعية بين سورتي آل عمران والحديد فبحسب نظرية الشيخ سعيد حوى في الوحدة القرآنية يرى أن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة وكذلك سورة الحديد، ولا يتسع المقام لبسط ذلك فليراجع [1] .

-جاء قوله تعالى (سابقوا) في الحديد بعد ذكر الدنيا وملذاتها والتوجيه إلى عدم الاغترار بها، ونجد هذا المعنى يُطرق بقوة في سورة آل عمران في أكثر من موضع: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (14: آل عمران) ، كما جاء قبل قوله تعالى (وسارعوا) ذكر النهي عن أكل الربا ... وهو من متعلقات الدنيا.

-جاء في سورة الحديد ذكر الخشية من الله وعدم قسوة القلب، والتحقق بالصديقية والشهادة، وفي سورة آل عمران: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (79: آل عمران) .

-وفي سورة الحديد حث على الإنفاق ثمرة الإيمان، وفي سورة آل عمران: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (92: آل عمران) .

-وفي سورة الحديد حديث عن أهل الكتاب، وحديث عن نوح وابراهيم وعيسى، وسورة آل عمران فصلت في ذلك كله.

(1) ... حوى، الأساس، ج 2، ص 692، و ج 10، ص 5734، وموجز نظرية الشيخ سعيد أن القرآن مقسم إلى أربعة أقسام هي: الطوال، والمئين، والمثاني، والمفصل، وأن كل قسم يفصل سورة البقرة تفصيلًا جديدًا، حيث أن لكل سورة من سور القرآن محورها الذي تفصله من سورة البقرة، وقد بنى رحمه الله تفسيره على بيان هذه النظرية، الأساس، ج 1، ص 21، فما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت