الصفحة 39 من 39

ـ في سورة فاطر:

جاء التأكيد على ثواب السابقين في سورة فاطر، في قوله تعالى: {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير، وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يسمنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب} (32 - 35: فاطر) .

والمتأمل في ما أعد الله للسابقين هنا يجد:

1.امتنان الله على عباده أنه الفضل الكبير.

2.أن لهم جنات، بصيغة الجمع.

3.وصف الجنات بأنها {جنات عدن} "أي جنات استقرار وثبات، يقال: عَدَن بمكان كذا: استقر، ومنه المعدن: لمستقِر الجواهر" [1] .

4.ثم بيان ما اشتملت عليه هذه الجنات من فضل ونعيم وعطاء: {يدخلونها، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ... } ، فذكر لهم ثمانية أنواع من النعيم:

1. {يدخلونها} والنص على ذلك فيه من البشارة ما فيه.

2.و 3. {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا} .

4. {ولباسهم فيها حرير} .

5.أن أذهب عنهم الحزن: {الذي أذهب عنا الحَزَن} ،"والحزْن والحَزَن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس، لما يحصل فيها من الغم، ويضاده الفرح" [2] .

وفي ذلك بيان لما هم فيه من فرح وسرور وراحة بال.

6.يحلهم دار المقامة: {الذي أحلنا دار المقامة} أي دار الإقامة الدائمة [3] ، وفي هذا بشارة أخرى لهم.

7.لا يمسهم فيها نصب: {لا يمسنا فيها نصب} ، والنصب: التعب، مأخوذ من قولك:"نُصُبُ الشيء وضعه وضعًا ناتئًا" [4] .

فكل ما لم يكن وضعه مطمئنًا سليمًا يسبب ما يسبب من ألم وتعب، فنفى ذلك كله عنهم.

8.لا يمسهم لُغوب: {ولا يمسنا فيها لغوب} "واللغوب: إعياءٌ من التعب، وكلال من النصب، يقال: لَغَب لُغوبًا أعيا أشد الإعياء" [5] .

والمراد إذن نفي أن يسمهم مجرد مس من تعب ونصب، أو ما يكون من أدنى آثار التعب والنصب، وهذا مزيد بيان لما هم فيه من راحة وسكينة وسعادة.

والمتأمل فيما سبق يلحظ كيف جمع الله للسابقين النعيم المادي والإنعام المعنوي، وأنت تلحظ أن ما فصل من النعيم في سورة فاطر مضاف لما فصل في سورة الواقعة، فإذن هو مزيد فضل وعطاء، وجعل في كل موقع لونًا من النعيم ليس في غيره، ليبين لنا أن هذا النعيم واسع

(1) الراغب، المفردات، ص 330.

(2) الراغب، المفردات، ص 123، والآلوسي، روح المعاني، ج 22، ص 199.

(3) الآلوسي، روح المعاني، ج 22، ص 199، مخلوف، صفوة البيان، 555.

(4) الراغب، المفردات، ص 496.

(5) الآلوسي، روح البيان، ج 22، ص 200، ومخلوف، صفة البيان، ص 555.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت