المعنى يوجب اختصاص اللفظ الذي جاء له فقوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} معناه: الله يعلم أي المأمورين يضل عن سبيله: أزيد أم عمرو، وهذا المعنى يقتضيه ما تقدم هذه الآية، وما جاء بعدها مما تعلق بها فالذي قبلها {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي: إن تطع الكفار يضلوك عن طاعة الله وعبادته.
ثم إنه أخبر أنه يعلم من الذين يغوونه ويضلونه ومن الذين لا يتمكنون من إضلاله، وبعد هذه الآية: {وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} .
وأما قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} فمعناه عنى معنى ما في الآية الأولى. أي: الله أعلم بأحوال من ضل كيف كان ابتداء ضلاله، وما يكون من مآله أيصرّ على باطله أم يرجع عنه إلى حقه؟ وقبلها {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} من جعل المفتون بمعنى: الفتون كالمفعول بمعنى الفعل، كان معناه: ستعلم ويعلمون بك أو بهم المفتون وخبال الرأي وفساد العقل، ومن جعل المفتون للمبتلى بفساد التمييز وهو حكاية معنى قولهم: أنه صلّى الله عليه وسلم مجنون كان كما يقال: في أي الفرقتين المجنون، أي: في فرقة الإسلام، أو في فرقة الكفر، والباء تقارب معنى «في» كما قال: فيه عيب وبه عيب، فينوب كل واحد من الحرفين مناب الآخر في أداء المعنى ويجوز أن تكون الباء معناها على ما يقال: فلان بالله وبك، أي: ثباته به وبك، معناه أي: سيعلم بأي الطائفتين ثبات الجنون ودوام الفتون وإذا كان مدار الكلام على أنه سيبصر بأيكم الخبال والجنون كان قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: الله أعلم بي وبكم المخبل المجنون مني أو منكم وإذا قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ}