وَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ فَيَسْتَقْذِرُهَا قَوْمٌ وَيَسْتَطِيبُهَا آخَرُونَ فَعَلِمْنَا أَنَّ أَمْرَ الِاسْتِقْذَارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بَلْ هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذَا النَّصِّ الْقَاطِعِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ مُعَيَّنٌ وَلَا قَانُونٌ مَعْلُومٌ؟
(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ...(151)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) كَالتَّفْصِيلِ لِمَا أَجْمَلَهُ فِي قَوْلِهِ: (مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ وَالْإِحْسَانِ بِالْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ لَا مُحَرَّمٌ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ حَرِيمًا مُعَيَّنًا وَذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَهُ بَيَانًا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا فَقَوْلُهُ: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) معناه: اتل عليكم ما بينه شَافِيًا بِحَيْثُ يَجْعَلُ لَهُ حَرِيمًا مُعَيَّنًا وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ وَانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: (عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا) كَمَا يُقَالُ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ أَوْ أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ وَانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:(أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) بِمَعْنَى لِئَلَّا تُشْرِكُوا وَالتَّقْدِيرُ: أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ لِئَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ «أَنْ» فِي قَوْلِهِ: (أَلَّا تُشْرِكُوا) مُفَسِّرَةً بِمَعْنَى: أَيْ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَيْ لَا تُشْرِكُوا أَيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ هُوَ قَوْلُهُ: (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) .