فهرس الكتاب
«فَإِنْ قِيلَ» : فَقَوْلُهُ: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِحْسَانُ بِالْوَالِدَيْنِ حَرَامًا وَهُوَ باطل؟
قُلْنَا: لَمَّا أَوْجَبَ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا فَقَدْ حَرَّمَ الْإِسَاءَةَ إِلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الزِّنَا عَلَانِيَةً وَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الزِّنَا عَلَانِيَةً وَسِرًّا وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُخَصَّصَ هَذَا النَّهْيُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ بَلْ يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ الْفَوَاحِشِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَالْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِهَذَا النَّهْيِ وَهُوَ كَوْنُهُ فَاحِشَةً عَامٌّ أَيْضًا وَمَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى يَكُونُ التَّخْصِيصُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ وَفِي قَوْلِهِ: (مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) دَقِيقَةٌ وَهِيَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا احْتَرَزَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهَا فِي الْبَاطِنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ احْتِرَازَهُ عَنْهَا لَيْسَ لِأَجْلِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَلَكِنْ لِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنْ مَذَمَّةِ النَّاسِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَذَمَّةُ النَّاسِ عِنْدَهُ أَعْظَمَ وَقْعًا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمَعْصِيَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهَا تَعْظِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَوْفًا مِنْ عَذَابِهِ وَرَغْبَةً فِي عبوديته.
قَوْلُهُ: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْفَوَاحِشِ إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِفَائِدَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْإِفْرَادَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ كَقَوْلِهِ: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: 98]