قيل: هذا خطأ , لأن ما أظهره الله من الآيات الدالة على صدق رسوله وصحة نبوته , أظهر من أن يُخْفَى , وأكثر من أن ينكر , وأن القرآن مع عجز من تحداهم الله من الآيات بمثله , وما تضمنه من أخبار الغيوب وصدق خبره عما كان ويكون أبلغ الآيات وأظهر المعجزات.
وإنما اقترحوا آية سألوها إعناتاً , فلم يجابوا مع قدرة الله تعالى على إنزالها , لأنه لو أجابهم إليها لاقترحوا غيرها إلى ما لا نهاية له , حتى ينقطع الرسول بإظهار الآيات عن تبليغ الرسالة.
وإنما يلزمه إظهار الآيات في موضعين:
أحدهما: عند بعثه رسولاً ليكون مع استدعائه لهم دليل على صدقه.
والثاني: أن يسألها من يعلم الله منه أنه إن أظهرها له آمن به , وليس يلزمه إظهارها في غير هذين الموضعين.
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) }
«فإن قيل» : فإذا كانت غير مُكَلَّفَةٍ فلماذا تبعث يوم القيامة؟
قيل: ليس التكليف علة البعث , لأن الأطفال والمجانين يبعثون وإن كانوا في الدنيا غير مكلفين , وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم , ثم يجعل ما يشاء منها تراباً , وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه ورؤيته.
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) }
يعني أسباب الموت , بانقضاء الأجل.
«فإن قيل» : المتولِّي لقبض الروح مَلَك الموت , وقد بين ذلك بقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم} [السجدة: 11] فكيف قال: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} والرسل جمع؟
قيل: لأن الله أعان مَلَك الموت بأعوان من عنده يتولون ذلك بأمره , فصار التوفِّي من فعل أعوانه , وهو مضاف إليه لمكان أمره , كما يضاف إلى السلطان فعل أعوانه من قتل , أو جلد , إذا كان عن أمره.
قوله عز وجل: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُم الْحَقِّ}
«فإن قيل» : فكيف قال: {مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} وقد قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم} ؟
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه قال هذا لأنهم دخلوا في جملة غيرهم من المؤمنين المردودين فعمَّهم اللفظ.