قال بشر: لا. قال عبد العزيز: فقلت له: قد - والله - أَكْذَب الله قائل هذا بقوله: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] ، فأخبر أن مساكنهم كانت باقية وهي أشياء كثيرة، وقال تعالى: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم} [الذاريات: 42] ، وقد أتت على الجبال والشجر والأرض فلم تجعله رميماً، وقال عز وجل: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ، يعني بلقيس، فهل أوتيت ملك سليمان وهو أضعاف ملكها؟. فهذا تكسير لقولك يا بشر.
ولكن ما تقول - يا بشر - في قوله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] ، وقال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] ، وقال: {أُنزِلَ بِعِلْمِ الله} [هود: 14] .
وقال: {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11، فصلت: 47] !، فأخبر تعالى أن له علماً. أفتقرُّ - يا بشر - أن له علماً كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل؟.
فعلم بشر أنه إنْ قال:"له علم"، فيقول له: أهو داخل في الأشياء المخلوقة أم لا؟
فإن قال:"دخل"، كفر. وإن قال: لا. أجاز ما منع في الكلام.
وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل، فحاد، ثم قال: معنى علمه: أنه لا يجهل.
قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا، قد علمت أن الله لا يجهل، إنما سألتك:
هل تثبت له علماً كما أثبته لنفسه؟، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله يوجب إيجاب المدح، لأن قولك:"هذه الأسطوانة لا تجهل"ليس هو إثباتاً أن لها علماً. ولم يمدح الله ملكاً ولا نبياً ولا مؤمنا بِنَفِي الجهل ليدل على (أنه) إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم، فقال: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12] ولم يقل:"لا يجهلون"، وقال لنبيه: { (وَتَعْلَمَ) الكاذبين} [التوبة: 43]
ولم يقل:"ولا تجهل"، وقال: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28]