ولم يقل:"الذين لا يجهلون"، فمن أثبت العلم نفى الجهل، وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم، وعلى الخلق جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله لنفسه.
فقال بشر: أتقول: {إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75، لقمان: 28] وإن له سمعاً وبصراً كما أثبت له عِلْماً؟
قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يُثبتوا ما أثَبتَ، وينفوا ما نفى، ويُمسكوا عن ما أمسك الله. فأخبرنا تعالى أن له علماً، فقلت:"له علم"، ولم يخبرنا أن له سمعاً ولا بصراً، فأمسكنا عن ذلك.
فقال بشر: قد زعمت أن لله علماً، فما معنى علم الله؟.
قال عبد العزيز: هذا ما لا يعلمه إلا الله، قد تَفرَّد بذلك، وقد أمرني بشر أن أترك قول الله وأَمرَه، واتبع أمر الشيطان، لأن الله أخبر عن الشيطان أنه يأمرنا أن نقول على الله ما لا نعلم، وحرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم بقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169، الأعراف: 33] ، فقد اتبع بشر طريق الشيطان، وارتكب ما حرم الله علينا.
قال عبد العزيز: فانقطع بشر، فقلت له: يا بشر، ألست تقول إن لله نَفْساً بقوله: {واصطنعتك لِنَفْسِي} [طه: 41] ، وبقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} [آل عمران: 28، 30] ؟
قال بشر: نعم له نفس كما أخبرنا.
قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت} [آل عمران: 185] ، أفتقول - يا بشر - إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس المخلوقة؟
فأبى بشر من القول بذلك، فقال له عبد العزيز: وكذلك كلام الله ليس بداخل في الأشياء المخلوقة.
فسكت بشر.
قال عبد العزيز ثم قلت له: القرآن نزل على أربعة أخبار:
-خبر مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه الخصوص، كقوله: {اسجدوا لآدَمَ} وكقوله: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] : هذا خاص في لفظه ومعناه.