فهرس الكتاب
وقال في لطائف المدن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يُسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا، وتكمل فيهم المزايا، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم:
«من أسدى إليكم نعمًا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له» .
كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، ويتعلق بالملك الحق. اهـ.
وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: آذاني إنسانٌ فضقت به ذرعًا، فرأيتُ يُقال لي: مِن علامة الصديقية كثرةُ أعدائها ثم لا يبالي بهم.
وقال بعضهم: الصيحة من العدو، سَوطٌ من الله يزجرُ بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. اهـ.
وقال شيخ شيوخنا سيدى على الجمل رضي الله عنه: (عداوة العدو حقًا: اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب) .
وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له: لا تشتغل قط بمَن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك فإنه هو الذي حرَّكه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغلوا بأذى مَن آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. اهـ.
وهذا كله إنما يكون في البدايات، كما قال الشاذلى رضي الله عنه: (اللهم إنَّ القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا) .. فإذا تمت أنوارهم وتطهرت من البقايا أسرارهم، حكَّمهم في العباد، وأذلهم لهم، فيكون العبد المجتبى سيفاً من سيوف الله، ينتصر الله به لنفسه كما نبه على ذلك في لطائف المنن.
وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام تشريعًا لما ذكرنا، وتحذيرًا من الانتصار للنفس، وعدم تمحض النصرة للحق.