فهرس الكتاب
والمعنى: الحمد كله لله الذي أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات الله تعالى تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز وجل - وهما خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور.
وعبر - سبحانه - في جانب السماوات والأرض بخلق، وفي جانب الظلمات والنور بجعل، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإيجاد الابتدائي من العدم، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شيء من شيء أو من أشياء، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض، وهذه التقلبات الكونية هي بتقدير الله العزيز العليم.
قال صاحب الكشاف:"والفرق بين الخلق والجعل. أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئاً، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} {وَجَعَلَ الظلمات والنور} ، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار".
وقال الفخر الرازي:"وإنما حسن لفظ الجعل هنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر".
وقال أبو السعود:"والجعل هنا هو الإنشاء والإبداع كالخلق، خلا أن ذلك - أي الخلق - مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما في قوله تعالى {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ} وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات. إلا أنها في كثير من المواضع القرآنية تفرد - أي الأرض - وتجمع السماء كما هنا، لعظم السماء. ولإحاطتها بالأرض، ولأنه لم يعرف أن الله تعالى قد عصى فيها، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة."
والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء.
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات، ظلمات الشرك والكفر والنفاق، وأن المراد بالنور، نور الإيمان والإسلام واليقين، وعلى هذا الرأي يكون المراد بهما معنويا لا حسيا.