قوله عز وجل: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} الضمير مفعول أول، و {مَلَكًا} ثان، والضمير للرسول، أي: ولو جعلنا الرسول مَلَكًا كما اقترحوا لجعلناه رجلًا، ولأرسلناه في صورة رجل من بني آدم، كما يَنزل جبريل عليه السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعمّ الأحوال في صورة دِحْية، إذ لو رُئِيَ المَلَكُ على صورته لَصَعِقَ مَنْ يراه على ما فسر.
وقوله: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} عطف على قوله: {لَجَعَلْنَا} ،
و {مَا} موصول وهو مفعول لبسنا، أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أَمَلَكٌ هو أم آدمي؟ عن الضحاك.
يقال: لَبَست عليه الأمرَ ألبِس بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر لَبْسًا، إذا خَلَطْتَه وأشكلتَه عليه، قيل: وأصله من التغطية والستر بالثوب ونحوه.
والجمهور على تخفيف الباء في قوله: {وَلَلَبَسْنَا} ، وقرئ: (وللبَّسنا عليهم ما يُلَبِّسون) بتشديدها. والتلبيس كالتدليس والتخليط، شُدِّد للمبالغة.
الجوهري: وتقول: رجل لَبَّاسٌ، ولا تقل مُلبِّسٌ.
وقرئ أيضًا: (ولَبَسْنا) بلام واحدة استغناء عنه بلام (لجعلنا) .
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } :
قوله عز وجل: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} اللام في {وَلَقَدِ} جواب لقسم محذوف. قيل: وهذا تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما كان يلقى من قومه.
وقوله: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أصل حاق حَيَقَ، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، يقال: حاقَ به الشيءُ يَحِيقُ حَيْقًا، إذا أحاط به، وحاق بهم العذاب، أي: أحاط بهم ونزل.
و (ما) في {مَا كَانُوا} يحتمل أن يكون بمعنى الذي، وفيه تقديران:
أحدهما: فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به، وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به.
والثاني: فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به من العذاب وينكرونه.
وأن يكون بمعنى المصدر، أي: فأحاط بهم عاقبة استهزائهم. وهو في كلا الوجهين فاعل حاق.