وقوله: {فَلَمَسُوهُ} الضمير في لمسوه للقرطاس، واللمْسُ: المَسُّ باليد، وقد لَمَسَهُ يَلْمُسُهُ ويَلْمِسُهُ. قيل: وهذا جواب لقولهم: حتى تنزل كتابًا نقرؤه، وإنما لم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا: {سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} ، ولا تبقى لهم علة.
وقوله: {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} جواب لو.
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) } :
قوله عز وجل: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} (لولا) هنا بمعنى هلّا، ولذلك وليها الفعل. والضمير في {عَلَيْهِ} لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} ، أي: لقضي أمر هلاكهم.
ابن عباس - رضي الله عنهما: لو رأوا المَلَكَ على صورته لماتوا.
أبو إسحاق: ومعنى (قضى) على ضُروبٍ كُلِّها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه. فمنه: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} معناه حَتَمَ بذلك وأتمه، ومنه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} معناه: أمر، إلّا أنه أَمْرٌ قاطع حَتْمٌ، ومنه الإِعلام، وهو قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه الفصل في الحكم، وهو قوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} ، أي: لفصل بينهم، ومنه قوله: قد
قضى فلان دينه، أي: قد قطع ما لغريمه عليه وأداه إليه، فقطع ما بينه وبينه، وكل ما أُحكم فقد قُضي، تقول: قد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمتها. قال الشاعر:
196 -وَعَلَيهِما مسرودتانِ قَضاهما ... داودُ أو صَنَعُ السَّوابغِ تُبَّعُ
انتهى كلامه.
وقوله: {ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} أي: لا يؤخَّرون بعد نزوله طرفة عين، إجراء على دأب من قبلهم ممن اقترح الآيات على أنبيائهم، ثم لم يؤمنوا بها بعد نزولها.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } :