وهو الذي أوصانا الله تعالى أن نتبعه فتتوحد كلمتنا، ولا نتبع السبل والمناهج التي يدعو إليها شياطين الإنس والجن، مما صدر عن الغرب أو الشرق ومال إلى اليمين أو اليسار، قال تعالى في ختام الوصايا العشر من سورة الأنعام: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) (سورة الأنعام: 153) -
روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما - ثم خط بيمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) - فالصراط المستقيم، هو الخط الوسط بين الخطوط الأخرى عن اليمين وعن الشمال -
وقد جاء في حديث آخر رواه أحمد وابن ماجه عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم وضع يده في (الخط الوسط) ثم تلا الآية -
ذكر العلامة ابن كثير عن ابن عباس في قوله تعالى: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وفي قوله: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (سورة الشورى: 13) -
ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله -
قال: ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد -
هلك المتنطعون؟
ومما يلزم مما ذكرناه من اتباع المنهج الوسط، ويعتبر أيضا من أهم أسباب الوفاق والتقارب بين العاملين للإسلام: تجنب التنطع في الدين، وهو ما أنذر النبي أصحابه بالهلاك، فيما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه قال:"هلك المتنطعون"قالها ثلاثا، سواء كان القول إخبارا عن هلاكهم أم دعاء عليهم -
والمتنطعون ـ كما قال الإمام النووي ـ المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم -
وقال ابن الأثير: المتعمقون المغالون، في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم ـ مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم ـ ثم استعمل في كل تعمق قولا أو فعلا -
ومنه حديث عمر:"لن تزالوا بخير ما عجلتم الفطر، ولم تنطعوا تنطع أهل العراق"أي تتكلفوا القول والعمل -