وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا)
[عن] مُجَاهِد، فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا) ، قَالَ: الْهُدَى: الطَّرِيقُ، أَنَّهُ بَيِّنٌ وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ الْبَيِّنُ مِنْ صِفَةِ الْهُدَى، وَيَكُونُ نَصْبُ الْبَيِّنِ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهُدَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الْبَيِّنِ، ثُمَّ نُصِبَ (الْبَيِّنُ) لَمَّا حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَصَارَ نَكِرَةً مِنْ صِفَةِ الْمَعْرِفَةِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ الْهُدَى، عَلَى الْحَقِيقَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ الْقَائِلِينَ لِأَصْحَابِكَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ، فَإِنَّا عَلَى هُدًى: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ {إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}
يَقُولُ: إِنَّ طَرِيقَ اللَّهِ الَّذِي بَيَّنَهُ لَنَا وَأَوْضَحَهُ، وَسَبِيلَنَا الَّذِي أُمِرْنَا بِلِزُومِهِ، وَدِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَبَيَّنَهُ، هُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةُ الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا، لَا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَلَا نَتْرُكُ الْحَقَّ وَنَتَّبِعُ الْبَاطِلَ.
{وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
يَقُولُ: وَأَمَرَنَا رَبُّنَا وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، تَعَالَى وَجْهُهُ، لِنُسْلِمَ لَهُ: لِنَخْضَعَ لَهُ بِالذِّلَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، فَنُخْلِصَ ذَلِكَ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْلَامِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقِيلَ: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} بِمَعْنَى: وَأَمَرَنَا كَيْ نُسْلِمَ، وَأَنْ نُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ (كَيْ) وَ (اللَّامَ) الَّتِي بِمَعْنَى (كَيْ) مَكَانَ (أَنْ) ، وَ (أَنْ) مَكَانَهَا.