والخطاب في قوله: {فلا تكوننّ من الممترين} [البقرة: 147] يحتمل أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون التّفريع على قوله: {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} أي فلا تكن من الممترين في أنَّهم يعلمون ذلك، والمقصود تأكيد الخبر كقول القائل بعد الخبر: هذا مَا لا شكّ فيه، فالامتراء المنفي هو الامتراء في أنّ أهل الكتاب يعلمون ذلك، لأنّ غريباً اجتماعُ علمهم وكفرهم به، ويجوز أن يكون خطابا لغير معيّن، ليعمّ كلّ من يحتاج إلى مثل هذا الخطاب، أي فلا تكوننّ أيُّها السّامع من الممترين، أي الشّاكين في كون القرآن من عند الله، فيكون التّفريع على قوله: {منزل من ربك بالحق} أي فهذا أمر قد اتّضح.
فلا تكن من الممترين فيه.
ويحتمل أن يكون المخاطب الرّسول عليه الصلاة والسلام، والمقصود من الكلام المشركون الممترون، على طريقة التّعريض، كما يقال: (إياكَ أعني واسمعي يا جارهْ) .
ومنه قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك} [الزمر: 65] .
وهذا الوجه هو أحسن الوجوه، والتفريع فيه كما في الوجه الثّاني.
وعلى كلّ الوجوه كان حذف متعلّق الامتراء لظهوره من المقام تعويلاً على القرينة، وإذ قد كانت هذه الوجوه الثّلاثة غير متعارضة، صحّ أن يكون جميعها مقصوداً من الآية.
لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصّل إليه منها.
وهذا فيما أرى من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع، ويجيء مثله في آيات كثيرة، وهو من خصائص القرآن. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 7 صـ}