فهرس الكتاب
قال - عليه الرحمة:
{لا تُدْرِكُهُ الأبصار}
البصر حاسة النظر وقد تطلق على العين من حيث إنها محله وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به.
{وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ} أي: يحيط بها علمه {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فيدرك ما لا تدركه الأبصار ولهذا خص الأبصار بإدراكه تعالى إياها مع أنه يدرك كل شيء لأن الأبصار لا تدرك نفسها ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه ففيه دليل على أن الخلق لا يدركون بالأبصار كنه حقيقة البصر وهو الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه.
اعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون الرؤية بلا إدراك لأنه يصح أن يقال رآه وما أدركه، فالإدراك أخص من الرؤية ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فالله يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به يعني إن معرفة الله تعالى ممكنة من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية إذ منه ما لا تفيه الطاقة البشرية وهو ما وقع به الكمل في ورطة الحيرة وأقروا بالعجز عن حق المعرفة وقالوا ما عرفناك حق معرفتك فذات الله تعالى من حيث تجرده عن النسب والإضافات لا يدرك ولهذا سئل النبي عليه السلام هل رأيت ربك قال:"نور إني أراه"أي: النور المجرد لا يمكن رؤيته وكذا أشار الحق في كتابه لما ذكر ظهور نوره في مراتب المظاهر قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ} (النور: 35) فلما فرغ من ذكر مراتب التمثيل قال: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} (النور: 35) فأحد النورين هو الضياء