فهرس الكتاب
[من روائع الأبحاث]
(فصل: الْغَفْلَة واليقظة)
(خَصَائِص الْغَفْلَة واليقظة)
قال الحارث المحاسبي:
قلت فَمَا الَّذِي بطأ بالخاصة والعامة عَمَّا هُوَ أكثر لَهُم ضَرَرا وأشد عَلَيْهِم؟
قَالَ قد أخبرتك أن النَّاس فِيهِ مُخْتَلفُونَ فَرب شَيْء هُوَ أسْلَم من شَيْء آخر وَرب شَيْء هُوَ أضر عَلَيْهِم من الآخر
وأما أنا فَلَا أعرف خصْلَة أكثر فِي النَّاس وَلَا أغلب عَلَيْهِم وَلَا أكثر ضَرَرا وَلَا أشد عَلَيْهِم تركا على الْخَاص وَالْعَام والعالم والمتعلم وَالْجَاهِل من الْغَفْلَة
وَأَشد الْغَفْلَة الَّذِي أَنْت عَنهُ غافل وَبِه جَاهِل
وَأَشد ذَلِك على النَّاس وَأكْثر عِنْدِي فيهم الإعجاب
انْظُر هَل ترى أحدا هُوَ عِنْد نَفسه جَاهِل فِي أمْر الْآخِرَة وَأمر الدُّنْيَا
انْظُر هَل ترى أحدا يتَعَرَّض لشَيْء لَا يُعلمهُ وَلَيْسَ هُوَ حرفته إلا يَقُول أنا بِهِ عَالم وإنما أتي هَذَا الْجَاهِل المغتر الْمُدَّعِي لعلم الْآخِرَة من قلَّة قدر الْآخِرَة فِي قلبه وَقلة تَعْظِيم حرمات الله عز وَجل
وَانْظُر هَل ترى أحدا عِنْد هَذَا الغافل المغتر الْجَاهِل ارْفَعْ عِنْد نَفسه مِنْهُ وَاعْلَم مِنْهُ فَيقر بذلك على نَفسه إلا مَا لَا يجد مِنْهُ بدا وَلَا يَسْتَطِيع دَفعه
قلت فَمَا الَّذِي ترجو أن يكون أصلح لَهُم وأنفع
قَالَ التيقظ أصل كل خير كَمَا أن الْغَفْلَة أصل كل شَرّ فَمَا أكثر من يكون عِنْد نَفسه متيقظا وَهُوَ غافل وَمَا أحب إليه التغافل عَن التيقظ وآنسه بالغفلة.
وَاعْلَم أن أبين عَلَامَات التيقظ الْهم والحزن ثمَّ حسن الاستعداد لما اهتم لَهُ وحزن عَلَيْهِ
وأبين عَلَامَات الْغَفْلَة البطر والمرح لأنهما يسهيان وينسيان التيقظ وَفِي ترك التيقظ ترك الاستعداد لما بعد الْمَوْت
قلت فَمَا التيقظ وَمَا الْغَفْلَة؟
قَالَ التيقظ تقريب الاجل ومراقبة الْمَوْت والفكر فِيمَا يصير إليه العَبْد من بعد الْمَوْت وَمن هَذَا يفتح لَك بَاب الْعَمَل فتبتدر إليه قبل أن يبتدر إليك الْمَوْت وتستغنم كل سَاعَة من حياتك قبل انْقِضَاء الأجل
فَإِن رزق العَبْد الدَّوَام عَلَيْهِ نبع من ذَلِك ينابيع الْخَيْر إن شَاءَ الله عز وَجل
وأما الْغَفْلَة فطول الأمل ونسيان ذكر الْمعَاد إلا بالخاطر وَلَا يَدُوم عَلَيْهِ العَبْد