فَإِذَا ذَاقَ حَلَاوَةَ هَذَا الْقُرْبِ الثَّانِي أَسْرَعَ الْمَشْيَ حِينَئِذٍ إِلَى رَبِّهِ، فَيَذُوقُ حَلَاوَةَ إِتْيَانِهِ إِلَيْهِ هَرْوَلَةً، وَهَاهُنَا مُنْتَهَى الْحَدِيثِ، مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا هَرْوَلَ عَبْدُهُ إِلَيْهِ كَانَ قُرْبُ حَبِيبِهِ مِنْهُ فَوْقَ هَرْوَلَةِ الْعَبْدِ إِلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ لِعَظِيمِ شَاهِدِ الْجَزَاءِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْجَزَاءِ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، أَوْ إِحَالَةً لَهُ عَلَى الْمَرَاتِبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ وَقِسْ عَلَى هَذَا، فَعَلَى قَدْرِ مَا تَبْذُلُ مِنْكَ مُتَقَرِّبًا إِلَى رَبِّكَ يَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَازِمُ هَذَا التَّقَرُّبِ الْمَذْكُورِ فِي مَرَاتِبِهِ؛ أَيْ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى حَبِيبِهِ بِرُوحِهِ وَجَمِيعِ قُوَاهُ، وَإِرَادَتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ تَقَرَّبَ الرَّبُّ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ فِي مُقَابَلَةِ تَقَرُّبِ عَبْدِهِ إِلَيْهِ.
وَلَيْسَ الْقُرْبُ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا قُرْبَ مَسَافَةٍ حِسِّيَّةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ، بَلْ هُوَ قُرْبٌ حَقِيقِيٌّ، وَالرَّبُّ تَعَالَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَالْعَبْدُ فِي الْأَرْضِ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ سِرُّ السُّلُوكِ، وَحَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى الْوُصُولِ الَّذِي يُدَنْدِنُ حَوْلَهُ الْقَوْمُ.
وَمَلَاكُ هَذَا الْأَمْرِ هُوَ قَصْدُ التَّقَرُّبِ أَوَّلًا، ثُمَّ التَّقَرُّبُ ثَانِيًا، ثُمَّ حَالُ الْقُرْبِ ثَالِثًا، وَهُوَ الِانْبِعَاثُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى الْحَبِيبِ.