فهرس الكتاب
وهكذا نرى أن العلماء الذين ظنوا أن الفسق مترتب على الأمر من الله لم يلتفتوا إلى أن ورود الأمر في القرآن الكريم جاء على لونين: أولا: أمر التكوين بالقهريات فلا يستطيع المأمور أن يتخلف عنه ، ويمثل الأمر القهري قوله الحق: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]
فالأمر جاهز في عالم الأزل ليبرز حين يشاء الحق . والأمر الثاني: هو الأمر التشريعي وهو صالح لأن يختار المكلف بين أن يطيع أو يعصي ، وفي هذا الإِطار نفهم قوله الحق: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16]
فلا تقل: إن الله يأمر بالفسق ؛ فالحق قد أمر المؤمنين بالمنهج لأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء . بل جاء الأمر لكل البشر أن يعبدوا الله مخلصين له الدين ، لكن كبار أهل هذه القرية أخذوا البديل للطاعة وهو الفسق والمعصية ، فلما أمرهم ففسقوا ماذا يصنع بهم؟ ، هو سبحانه يدمرهم تدميرا فإن كان في الكونيات فلا أحد من خلق الله مكلف في الكونيات ، إنما أمره الثاني في اتباع المنهج فلنا أن نفهم أنه الاختيار .