قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} قَالَ: عَلَّمُوهُ وَعَلِمُوا مَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ وَقَرَأَ: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} "
{وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَا فِي الْمَعَادِ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْعَامِلِينَ بِمَا أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ الْمُحَافِظِينَ عَلَى حُدُودِهِ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وَيَخَافُونَ عِقَابَهُ، فَيُرَاقِبُونَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَيُطِيعُونَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي دُنْيَاهُمْ.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يَقُولُ: أَفَلَا يَعْقِلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى عَلَى أَحْكَامِهِمْ، وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا، إِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ الْعَادِلِينَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَحْكَامِهِمْ، خَيْرٌ مِنْ هَذَا الْعَرَضِ الْقَلِيلِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى خِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَالْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْجَوْرِ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) }
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: (يُمْسِكُونَ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَتَسْكِينِهَا، مِنْ أَمْسَكَ يُمْسِكُ.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: {يُمَسِّكُونَ} بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، مِنْ مَسَّكَ يُمَسِّكُ.
وَيَعْنِي بِذَلِكَ: وَالَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ بِحُدُودِهَا، وَلَمْ يُضَيِّعُوا أَوْقَاتَهَا {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِي، فَإِنِّي لَا أُضِيعُ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ
قَالَ مُجَاهِدٌ، قَوْلُهُ:" {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ} مِنْ يَهُودَ أَوْ نَصَارَى {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} ". انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 10/}