[من روائع الأبحاث]
(فصل في بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه)
قال حجة الإسلام الغزالي عليه رحمة الله:
اعلم أن من لم يكن له حظ من معاني أسماء الله عز وجل إلا بأن يسمع لفظه ويفهم في اللغة معنى تفسيره ووضعه ويعتقد بالقلب وجود معناه في الله تعالى فهو مبخوس الحظ نازل الدرجة ليس يحسن به أن يتبجح بما ناله فإن سماع اللفظ لا يستدعي إلا سلامة حاسة السمع التي بها تدرك الأصوات وهذه رتبة تشارك البهيمة فيها وأما فهم وضعه في اللغة فلا يستدعي إلا معرفة العربية وهذه رتبة يشارك فيها الأديب اللغوي بل الغبي اللغوي البدوي وأما اعتقاد ثبوت معناه لله سبحانه وتعالى من غير كشف فلا يستدعي إلا فهم معاني الألفاظ والتصديق بها وهذه رتبة يشارك فيها العامي بل الصبي فإنه بعد فهم الكلام إذا ألقي إليه هذه المعاني تلقاها وتلقنها واعتقدها بقلبه وصمم عليها وهذه درجات أكثر العلماء فضلا عن غيرهم ولا ينكر فضل هؤلاء بالإضافة إلى من لم يشاركهم في هذه الدرجات الثلاث ولكنه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين بل حظوظ المقربين من معاني أسماء الله تعالى ثلاثة
الحظ الأول معرفة هذه المعاني على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله عز وجل بها انكشافا يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان
بصفاته الباطنة التي يدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهر وكم بين هذا وبين الاعتقاد المأخوذ من الآباء والمعلمين تقليدا والتصميم عليه وإن كان مقرونا بأدلة جدلية كلامية