الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ الْخَلْقِ الَّذِينَ خَلَقْنَا أُمَّةٌ، يَعْنِي جَمَاعَةً، يَهْدُونَ يَقُولُ: يَهْتَدُونَ بِالْحَقِّ {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}
يَقُولُ: وَبِالْحَقِّ يَقْضُونَ وَيُنْصِفُونَ النَّاسَ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي» قَالَ: وَبِالْحَقِّ يَأْخُذُونَ وَيُعْطُونَ وَيَقْضُونَ""
عَنْ قَتَادَةَ،"بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا قَرَأَهَا:"هَذِهِ لَكُمْ، وَقَدْ أُعْطِي الْقَوْمُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِثْلَهَا، {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِأَدِلَّتِنَا وَأَعْلَامِنَا، فَجَحَدُوهَا وَلَمْ يَتَذَكَّرُوا بِهَا، سَنُمْهِلُهُ بِغِرَّتِهِ وَنُزَيِّنُ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ، حَتَّى يَحْسِبَ أَنَّهُ هُوَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ تَكْذِيبِهِ بِآيَاتِ اللَّهِ إِلَى نَفْسِهِ مُحْسِنٌ، وَحَتَّى يَبْلُغَ الْغَايَةَ الَّتِي كُتِبَ لَهُ مِنَ الْمَهَلِ، ثُمَّ يَأْخُذَهُ بِأَعْمَالِهِ السَّيِّئَةِ، فَيُجَازِيَهُ بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُ. وَذَلِكَ اسْتِدْرَاجُ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَصْلُ الِاسْتِدْرَاجِ اغْتِرَارُ الْمُسْتَدْرَجِ بِلُطْفٍ مِنْ حَيْثُ يَرَى الْمُسْتَدْرَجُ أَنَّ الْمُسْتَدْرِجَ إِلَيْهِ مُحْسِنٌ حَتَّى يُوَرِّطَهُ مَكْرُوهًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُؤَخِّرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا مُلَاءَةً بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مِنَ الدَّهْرِ، وَهِيَ الْحِينُ، وَمِنْهُ قِيلَ: انْتَظَرْتُكَ مَلِيًّا، لِيَبْلُغُوا بِمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمُ الْمِقْدَارَ الَّذِي قَدْ كَتَبَهُ لَهُمْ مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ ثُمَّ يَقْبِضَهُمْ إِلَيْهِ.