{إِنَّ كَيْدِي} وَالْكَيْدُ: هُوَ الْمَكْرُ.
وَقَوْلُهُ {مَتِينٌ}
يَعْنِي: قَوِيُّ شَدِيدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
عَدَلْنَ عُدُولَ النَّاسِ وَاقْبَحَ يُبْتَلَى ... أَفَاسٌ مِنَ الْهُرَّابِ شَدَّ مَمَاتِنُ
يَعْنِي: سَيْرًا شَدِيدًا بَاقِيًا لَا يَنْقَطِعُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَيَتَدَبَّرُوا بِعُقُولِهِمْ، وَيَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَنَا الَّذِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ، لَا جِنَّةَ بِهِ وَلَا خَبَلَ، وَأَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الْقَوِيمُ وَالْحَقُّ الْمُبِينُ.
وَلِذَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا [روي] عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى الصَّفَا، فَدَعَا قُرَيْشًا، فَجَعَلَ يُفَخِّذُهُمْ فَخْذًا فَخْذًا:"يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ، فَحَذَّرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ، وَوَقَائِعَ اللَّهِ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لِمَجْنُونٌ بَاتَ يُصَوِّتُ إِلَى الصَّبَّاحِ، أَوْ حَتَّى أَصْبَحَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} "وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ} مَا هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُنْذِرُكُمْ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ إِنْ لَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مُبِينٌ} قَدْ أَبَانَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِنْذَارَهُ مَا أَنْذَرَكُمْ بِهِ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) }