وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزل قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ...) إلى آخر الآية، في المردة والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ...(57)
قيل: تأمرنهم في الحرب.
وقيل: تلقينهم في الحرب.
وقيل: تجدنهم في الحرب.
(فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) .
قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون.
وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم.
الآية نزلت في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، فأمر - عز وجل - رسوله أن ينكل هَؤُلَاءِ؛ ليكون ذلك عبرة وزجرًا لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجرًا، فيكون في تنكيل هَؤُلَاءِ منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهَؤُلَاءِ ما ذكر يكون ذلك زجرًا لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق.
وكذلك جعل اللَّه في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ إشفاقًا على نفسه، وخوفًا على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) : عظة وزجرًا لمن بعدهم.
(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) .