فهرس الكتاب
ثم قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: خاف مقامي في الدنيا والآخرة، وتأويله - واللَّه أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة، أمَّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار.
ثم قوله: (مَقَامِي) حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ؛ وأقل من قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ) ، وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ...) الآية، وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على أهل التشبيه؛ ولم يشتبه قوله: (مَقَامِي) ؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) ، (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) ، (وَإِلَيْهِ مَآبِ) ، و (ومَتَابِ) ، ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق جميعًا في الدارين جميعًا - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛
إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وباللَّه النجاة.