التخويف من الشيطان يجعل قلب المسلم في هيبة كبيرة من هذا المخلوق فأنت لجأت إلى الله وعُذت به لكن لا تتصور أن الشيطان بهذا الجبروت تُرِك على جبروته فهو ذليل مرجوم. وبالعودة إلى أوصاف الشيطان في القرآن كلها لا تنسجم مع معنى آية الاستعاذة. فنجد صفة الكفور ولم تستعمل هنا لأن الكفور قد يكون متجبراً وكافراً لكن ليس فيه اذلال وجاءت صفة أنه عدو مبين وللرحمن عصياً (صفة العاصي) وللإنسان خذولا (مارك متمرد ومريد) وكل هذه الصفات لا تعطي صورة الإذلال والضرب بالحجارة من السماء أي الرجم (وجعلناها رجوماً للشياطين) فاختيار كلمة الرجيم لتقليل شأن الشيطان وإذلاله حتى لا تكون للشيطان منزلة مخيفة وأكذّ على ذلك قوله تعالى في الآية التي تلت (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100 ) ) .
وأكّد على ضعف الشيطان في الآية بعدها حيث يعود للجمع (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) فالمناوبة بين الإفراد والجماعة هي مناوبة والتفات لغاية وحكمة أن الحياة الطيبة يريدها الإنسان وجزاء الجنة جزاء جماعي لا فردي والاستعاذة من الشيطان أمر فردي لكن جعلك جزءاً من مجموع لا يقدر عليهم الشيطان (الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) .
نقف عند المناوبة بين الفردية والجماعية في آيات سورة النحل: الفردية (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا) (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ) ثم الجماعية (ولنجزينهم) ثم انتقل إلى الفردية (فإذا قرأت القرآن) ثم الجماعية (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعلى ربهم يتوكلون) الفردية في الحياة الطيبة للإنسان والجماعية أن دخوله الجنة والجزاء لن يكون فرداً وإنما يكون في جماعة وفي زمرة ثم اللجوء إلى الله تعالى والاستعاذة والاتكال عليه تخلصاً من كيد الشيطان فردية لأنه ينبغي على المسلم أن يلجأ بمفرده إلى ربه.