أمم سوى أنه الحق المبين، تشعبت أفنان هذه الشجرة في أقطار الوجود، وعمَّت
عموم الخلق والأمر (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) متى فكر
المتفكر فيها، وتذكر المتذكر بها، أو عمل بمقتضى ما أمر به في كتاب الله وسنة
رسوله من الموجود في جملتها، المثبت في اللوح المحفوظ من مكنونها آتت أكلها
(كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) .
(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) للأبصار، فيلحق بظاهر الأنوار وجلي الضياء،
وإن لم تمسسه نار فكر أو يميزه علاج ذهن، فتزداد الأذكار في إنباء معاناة الاعتبار؛
إذ بذلك تتوقد مصابيح الإيمان في مشاكي علوم الفطر المتوقدة بالمعرفة في
زجاجات القلوب التي هي ألواح أجوائها ذوات الصدور، وتلك(بُيُوتٍ
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ
تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ). إلى آخر
المعنى.
مواقع أبصارهم مجال بصائرهم من الآفاق، والوجود كله ساطعة بضياء
المعرفة وبواطنهم بنور الإيمان عامرة نيرة، ومصابيح الإيمان في قلوبهم الزجاجية
رقة وصفاء كالكواكب الدرية؛ تتوقد في مشاكيها بزيت الشجرة المباركة الزيتونة،
ليست بشرقية ولا غربية إن ربي على صراط مستقيم (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36)
إلى آخر المعنى، إنه وإن كان ظاهره ما ذكره من البيوت
المأذون في ترقيعها هي المساجد لذكر المصباح والزيت والزجاجة والمشكاة، فإنه
على ظاهر أول ما تلاه علينا - جل ذكره - من قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
والأرض ذكر عام في السَّمَاوَات وفي المساجد وفي القلوب والصدور،
وكذلك النور عام ذكره كما تقدم في النيرات والهدايات والأنبياء والرسل والملائكة