وبالماء نجَّى الله تعالى موسى عليه السلام وأغرق عدوه فرعون ، ففعل سبحانه الشيء وضده بالشيء الواحد .
وقوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار} [النور: 43] أي: الضوء الشديد الذي يُحدِثه السحاب يكاد أن يخطف الأبصار ، وفي البرق تتولد النار من الماء ؛ لذلك حينما يقول تعالى: {وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] فصدِّق هذه الآية الغيبية ؛ لأنك شاهدت نموذجاً لها في مسألة البرق .
ثم يقول الحق سحبانه: {يُقَلِّبُ الله اليل والنهار}
فالليل والنهار آيتان يتتابعان لكن دون رتابة ، فالليل قد يأخذ من النهار ، والنهار يأخذ من الليل ، وقد يستويان في الزمن تماماً . ومن تقليب الليل والنهار ما يعتريهما من حَرٍّ أو برد أو نور وظلمة .
إذن: فالمسألة ليست ميكانيكية رتيبة ، إنما هي قيومية الله تعالى وقدرته في تصريف الأمور على مراده تعالى ؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار} [النور: 44] .
العِبرة والعَبرة والعبور والتعبير كلها من مادة واحدة ، نقول: هذا مكان العبور يعني الانتقال من جهة إلى جهة أخرى ، وفلان عبَّر عن كذا ، يعني: نقل الكلام النفسي إلى كلام باللسان ، والعبرة أنْ ننظرَ في الشيء ونعتبر ، ثم ننتقل منه إلى غيره ، وكذلك العَبْرة لأنها حزن أسال شيئاً ، فنزل من عيني الدمع .
والعبرة هنا لمن؟ {لأُوْلِي الأبصار} [النور: 44] والمراد: الأبصار الواعية لا الأبصار التي تدرك فقط ، والإنسان له إدراكات بوسائلها ، وله عقل يستقبل المدركات ويغربلها ، ويخلُص منها إلى قضايا ، ومن الناس مَنْ يبصر لكنه لا يرى شيئاً ولا يصل من رؤيته إلى شيء ، ومنهم أصحاب النظر الواعي المدقِّق ، فالذي كتشف قوة البخار رأى القِدْر وهي تغلي وتفور فيرتفع عليها الغطاء ، وهذا منظر نراه جميعاً الرجل والمرأة ، والكبير والصغير ، لكن لم يصل أحد إلى مثل ما وصل إليه .