فهرس الكتاب
62 - {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . . .} الآية.
هذه الآية مستأنفة لبيان نوع من أَرقى أنواع الأدب في الإسلام، وهو أَلا ينصرف المؤمن من مجلس الرسول المعقود لأمر جامع، إلا باستئذانه - صلى الله عليه وسلم - إِذا كانت لديه حاجة ملحة إلى الانصراف من هذا الأمر الجامع.
وقد نزلت الآية في شوال سنة خمس من الهجرة، حين كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه يحفرون خندقًا حول المدينة لوقايتها من هجوم قريش، وقائدها أبو سفيان
وغطفان، وقائدها عيينة بن حصن، وبنى مرة، وقائدهم الحارث بن عوف المُرِّى، وبنى أَشجع وبنى سليم، وبنى أَسد، وعدد هؤلاء جميعًا عشرة آلاف مقاتل، وكان سلمان الفارسى هو الذي أَشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفره، ولم تكن العرب تعرفه من قبل.
وقد حفر في شمال المدينة؛ لأن هذه الجهة كانت مظنة هجوم الأعدام، أَما باقى الجهات فمشغولة بالبيوت والنخيل فلا يتمكن العدو من الحركة فيها.
وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفره، لأنهم كانوا في غير سعة من العيش وقد عمل معهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يحمل التراب معهم، وكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل، أو يعتذرون بأعذار كاذبة، فنزلت هذه الآية تنعى عليهم تسللهم، وتشير إِلى أَن الإيمان لم يتمكن من قلوبهم، لتسللهم عن الجماعة دون استئذان من الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا الحكم ثابت لحكام المسلمين في الأمور الجماعية الخطيرة، فإذا كان إِمام المسلمين معهم أو مع أَهل شوراه أَو مع غيرهم لأمر يهم المسلمين، فلا يحل لأحد أَن يتسلل من الاجتماع دون إِذن منه.