والله تعالى لم يمنع أحدًا هذه الهداية، ولم يَحُلْ بين أحدٍ مِن خلْقه وبين هذه الهداية، بل خلَّى بينهم وبينها، ومَنَحَهم مِن الوَسائل والأدوات التي تُساعِدهم على تقبُّلها والاستِفادة بها؛ كالعقل والفطرة، وأقام لهم بذلك أسبابَ الهداية ظاهرةً وباطنةً، ومَن حَرَمَه مِن خلْقه بعضًا مِن هذه الأدوات والوسائل؛ كزوال العقل أو الصِّغَر أو المرض، فقد حطَّ عنه مِن التكاليف بحسب ما حرَمَه من ذلك؛ قال تعالى:"لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ" [النور: 61] ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( رُفِع القلمُ عن ثلاث: عن النائم حتى يستَيقِظ، وعن الصبيِّ حتى يَبلُغ، وعن المجنون حتى يفيق ) )، كما اتَّفق رِجالُ الأصول على أنه: (إذا أخَذَ ما وهب انقَطَع ما وجب) .
وهذه الهداية لا تستَلزِم حُصُول التوفيق، واتِّباع الحقِّ مِن العِباد؛ بدليل أنَّ بعض الناس آمَن بدعوة الرسُل، وبعضهم كفَر بها، ولكنَّها سببٌ في حصول الاهتِداء، والسبب هنا قد اكتَمَل بإرسال الرسُل، ووصول دعوة وبلاغ الرسل إلى أُمَمِهم، فلا نقص إذًا في السبب، إنما النقص يرجع إلى العبد الذي لم يَقبَل، ولم يَنتَفِع بما جاءَتْ به الرسل بسب فساد الفطرة، وطغيان المادَّة؛ قال تعالى:"وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [فصلت: 17] ،"فَهَدَيْنَاهُمْ"؛ أي: بَيَّنَّا لهم ودعوناهم، فاستحبُّوا العَمَى على الهدى؛ أي: بصَّرناهم وبيَّنَّا ووضَّحنا لهم الحقَّ على لسان نبيِّهم صالح، فخالَفُوه، وكذَّبُوه، وعَقَروا ناقة الله تعالى، التي هي بُرهان على صدْق نبيِّهم، فعَدَمُ الاهتِدَاء واقِعٌ بسبب القُصُور الحادِث في المحلِّ القابِل للأثر وهو الإنسان، وليس في قُصُور السبب، فكانت النتيجة أنْ أضلَّهم اللهُ عقوبةً على ترْك الاهتِداء، وعدم الاستِجابة لما جاءَتْ به الرسل.