أجيب: بأنه تعالى علَّمَهُ الحق أولًا، ووهب له إرادةً جزئية يقدر بها على اختيار شيء، فله الاختيار السابق على إرادة الله تعالى، ووجود الاختيار في الفاعل المختار أمر يطلع عليه كل أحد حتى الصبيان، والله أعلم.
{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) }
فإن قلت: لم قدم المعمول على عامله في قوله السابق: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ، وأخّره هنا حيث قال: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . فما الفرق بين الموضعين؟
قلتُ: فَعَلَ ما فَعَلَ في الموضعين رعاية للفواصل التي كانت بعدهما؛ لأنه بعد الأول وقع {غَفُورٌ رَحِيمٌ} ،
و {رَحِيمٌ} بوزن خبير - وإن كان الحرف الأخير مختلفًا - وبعد الموضع الثاني الفواصل نفس ما فيه.
وقيل: قدم في الأول تأكيدًا للتهديد المفهوم من الجملة؛ لأنها وقعت تعليلًا للأوامر العزائم قبلها، وفي الموضع الثاني لا حاجة إلى التأكيد المذكور؛ لأن الجملة وإن وقعت تعليلًا لما قبلها؛ لأن الأوامر قبلها إنما وقعت للترخي.
وقيل: للتفنن. فليتأمل، هكذا وقع في فهمي السقيم، والله أعلم بأسرار كتابه.
{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) }
فإن قلت: فإذا كان الله قويًا عزيزًا غير عاجز. فما وجه انهزام المسلمين في بعض الأحيان وقد وعد النصر لأوليائه؟
قلت: إن النصرة والغلبة منصب شريف فلا يليق بالكافر، لكن الله تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار، وأخرى على المؤمنين؛ لأنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات .. لحصل العلم الضروري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ولو كان كذلك .. لبطل التكليف والثواب والعقاب. فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان، وأخرى على أهل الكفر، لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإِسلام، فيعظم ثوابه عند الله تعالى. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...