(باب المواعيد)
أثنى الله عز وجل على إسماعيل عليه السّلام، فقال: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}
وقال كعب: كان لا يعد أحدًا إلا أنجزه، وقال: انتظر رجلا وعده سنة كاملة.
ورى أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم انتظر رجلًا وعده في موضع من طلوع الشمس إلى غروبها.
وروي عنه عليه السلام: أنه انتظره ثلاثًا، والمنتظر عبد الله بن أبي الحمساء.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"من وعده الله على عمل ثوابًا فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابًا فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له""، وعن ابن عباس مثله."
وقال المثنى بن حارثة لشيباني: لأن أموت عطشًا أحبّ إليَّ من أن أخلف موعدًا.
قال بعض الحكماء: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف كان يحيى بن خالد يقول: المواعيد شباك الكرام يصيدون بها محامد الإخوان، ألا تراهم يقولون: فلانٌ ينجز الوعد، ويفي بالضمان، ويصدق في المقال، ولولا ما تقدم من حسن موقع الوعد، لبطل حسن هذا المدح.
وكان يحيى بن خالد، يقول: إنّ الحاجة إذا لم يتقدمها وعدٌ تنتظر نجحه، لم تتجاوب الأنفس سرورها، فدع الحاجة تختمر بالوعد، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل.
ومن كلام يحيى بن خالد بن برمك أيضًا:"لا"الكريم أنجح من"نعم"الئيم، لأنّ"لا"الكريم، ربما كانت في وقت غضب، وإبّان سآمة، ونعم اللئيم تصدر عن تصنع وفساد نيّة وقبح مآل.
أنشد أبو عمرو بن العلاء:
ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي ... ويأمن منّي صولة المتهّد
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال آخر:
لسانك أحلى من جني النّحل وعده ... وكفّاك بالمعروف أضيق من نعل
تمنّى الذي يأتيك حتّى إذا انتهى ... إلى أملٍ ناولته طرف الحبل
وقال زياد الأعجم:
لله درّك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب [[الجلوا ... دو] ] حبّذا صدق البخيل
وقال آخر:
وإن جميع الآفات فالبخيل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل
قال ابن عيينة: وعد رجل ابن شبرمة عدة فمطله بها، فكتب إليه ابن شبرمة:
الخير أنفعه للناس أعجله ... وليس ينفع خيرٌ فيه تطويل
ومثل هذا قول سابق:
وتأخير ما يرجى بلاءٌ مبرحٌ ... وأفضل ما يرجى من الخير عاجله
وقال كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلًا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
وقال الأشجعي:
وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيتربٍ
قال ابن منبّه: هكذا قرأته على البصريين بيترب بالتاء، وفتح الراء.