(باب الحقّ والباطل)
لما استخلف أبو بكر عمر، قال لمعيقيب الدّوسى: ما يقول النّاس في استخلافي عمر؟ قال: كرهه قومٌ، ورضيه آخرون. قال: فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: بل الذين كرهوه. قال: إن الحقّ يبدو كريها وله تكون العاقبة، والعاقبة للتقوى.
قالوا: من قصد إلى الحقّ اتسمت له المذاهب حجة، ومن تعداه ضاق به أمره، وما هلك امرؤٌ عرف قدره.
قالوا: الحكمة تدعو إلى الحقّ، والجهل يدعو إلى السّفه، كما أنّ الحجة تدعو إلى المذهب الصّحيح، والشبهة تدعو إلى المذهب الفاسد.
قال بعض الحكماء: من جهلك بالحق والباطل، أن تريد إقامة الباطل بإبطال الحق.
قال الأعرابي، وقد ذكر عنده الإصلاح والإفساد، فقال: لا تمنعن كثيرًا من حقّ، ولا تضعنّ قليلًا في الباطل، فما حرّك حقّ وباطلّ إلا كان لهما شهود.
قال بعض الحكماء: لها يعيد الرجل عاقلا، حتى يستكمل ثلاثًا: إعطاء الحق من نفسه في حال الرّضا والغضب، وأن يرضى للناس ما يرضى لنفسه، وألاّ ترى له زلّة عند ضجره.
وقد تقدّم قول أبي العتاهية في باب الرّجاء والخوف:
ومن ضاق عنه الحقّ ضاقت مذاهبه
ولأبي العتاهية أيضًا:
الباطل الدّهر يلفى لا ضياء له ... والحقّ أبلج فيه النور يأتلق
لما احتضر أبو بكر الصّدّيق، أرسل إلى عمر، فقال: ياعمر! إن ولّيت على النّاس فاتق الله، والزم الحق، فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحقّ لميزان إذا وضع فيه الحقّ غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت يوم القيامة، باتباعهم الباطل في الدّنيا وخفّته عليهم، وحقّ لميزان وضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا، واعلم أن الله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وأن الله عز وجل ذكر أهل الجّنة بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا كوتهم قلت: إنّي الخائف ألا ألحق بهم، وأن الله عز وجل ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنها، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لخائف أن أكون مع هؤلاء، وأن الله عزّ وجل ذكر آية الرّحمة مع آية العذاب، ليكون المؤمن راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله فإن أنت حفظت وصيّتي، فلا يكوننّ غائبٌ أحب إليك من الموت وهو أيتك، وإن ضيعت وصيتي فلا يكوننّ غائبٌ أبغض إليك من الموت ولست بمعجزه.
كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أن الزم الحقّ، ينزلك الحقّ في منازل أهل الحقّ، يوم لا يقضى إلا بالحقّ، أول كتاب كتبه عليّ بن أبي طالب في خلافته: أمّا بعد، فإنّما هلك من كان قبلكم، أنّهم منعوا الحق حتى اشترى، وبسطوا الباطل حتى اقتدى.
وقال عليّ بن أبي طالب لرجل من الخوارج: والله ما عرفت حتى ظهر الباطل.
قال وبرة المكيّ: سمعت عن ابن عباس كلمات لهى أحبّ إلى من الدّهم الموقفة، قال: لا تتكلمن فبما لا يعينك حتى ترى له موضعًا، فرب متكلم بالحقّ في غير موضعه قد غيب، لا تمارينّ سفيهًا ولا حليمًا، فإنّ السّفسه يؤذيك، والحلم يقليك، ولا تذكرنّ أخاك إذا غاب عنك إلاّ بمثل ما تحبّ أن ذكرك به إذا غبت عنه، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجزيٌّ بالإحسان، ومأخوذٌ بالأجرام، فقال: رجل عنده: يا ابن عباس! لهذه خير من عشرة آلاف. قال: كلمة منها خير من عشرة آلاف.