فهرس الكتاب
وعن ابن مسعود وسلمان الفارسي، قالا: أكثر النّاس وقوفًا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل.
وعن عطاء: فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بدَّ لك منه في معيشتك، أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه، ثم تلا:"وإنّ عليكم لحافظين. كرامًا كاتبين"و"عن اليمين وعن الشِّمال قعيدٌ، ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد".
وعنه عليه السلام أنه قال:"البرّ ثلاثةٌ المنطق والنظر والصَّمت، فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبارٍ فقد سها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها". قال بعض الشعراء:؟ لست ممّن ليس يدري ما هوانٌ من كرامه
إنّ للنّصح وللغ ... ش على العين علامه
ليس يخفى الحبُّ والبغ ... ض وإن رمت اكتتامه
ليس في أخذك بالفض ... ل وبالحلم ندامه
وجواب الجاهل الصَّم ... ت وفي الصَّمت سلامه
وعن الأصمعيّ قال، قال أعرابيّ: السّكوت صيانةٌ لّلسان وسترٌ للعيّ.
وقال أعرابيّ في رجل رماه بالعيّ: رأيت عثرات النّاس في أرجلهم، وعثرة فلان بين فكَّيه.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"إن الرَّجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة".
وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:"إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال".
وذكر الأصمعيّ قال، قال أعرابيٌ: الكلمة أسيرةٌ في وثاق الرَّجل، فإذا تكلّم بها كان أسيرًا في وثاقها.
قيل لبكر بن عبد الله المزنيّ: إنك تطيل الصمت؟ فقال: إن لساني سبعٌ، إن تركته أكلني.
وأنشد الخشنيّ:؟ لسان الفتى سبعٌ عليه مراقبٌ فإنّ لم يزع من غربه فهو آكله وقال الراجز:؟
القول لا تملكه إذا نما ... كالسَّهم لا يرجعه رامٍ رما
وقال آخر:
فداويته بالحلم والمرء قادرٌ ... على سهمه ما دام في كفِّه الَّسهم
قال هبيرة بن أبي وهب:
وإنَّ مقال المرء في غير كنهه ... لكالَّنبل تهوى ليس فيها نصالها
قال أبو العتاهية:
من لزم الصَّمت نجا من قال بالخير غنم اجتمع
أربعة حكماء، فقال أحدهم: أنا على ردِّ ما لم أقل، أقدر مني على ردّ ما قلت، وقال الآخر: لأن أندم على ما لم أقل، أحبّ إليّ من أن أندم على ما قلت، وقال الثالث: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، فإذا لم أتكلم بها ملكتها، وقال الرابع: عجبت ممن يتكلم بالكلمة، إن ذكرت عنه ضرته، وإن لم تذكر عنه لم تنفعه.
قال طرفة بن العبد:
وإنّ لسان المرء ما لم تكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليل
وقال منصور الفقيه:
عليك السُّكوت فإن لم يكن ... من القول بدٌّ فقل أحسنه
فرَّبتما فارقت بالّذي ... تقول أماكنها الألسنة
وقال آخر:
أيُّها المرء لا تقولنّ قولًا ... لست تدري ماذا يجيئك منه
واخزن القول، إنّ الصَّمت حكما ... وإذا أنت قلت قولًا فزنه
وإذا النَّاس أكثروا في حديثٍ ... ليس ممّا يزينهم فاله عنه
وقال أحيحة بن الجلاح:؟ الصَّمت أكرم بالفتى ما لم يكن عيٌّ يشينه
والقول ذو خطلٍ إذا ... ما لم يكن لبٌّ يعينه
قال ابن مقسم، سمعت جحظة يقول: سمعت المأمون يقول: السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال.
أنشد ابن المبارك أخًا له كان يصحبه:
واغتنم ركعتين زلفى إلى الل ... هـ إذا كنت فارغًا مستريحا
وإذا ما هممت بالمنطق البا ... طل فاجعل مكانه تسبيحا
إنّ بعض السكوت خيرٌ من النط ... ق وإن كنت بالكلام فصيحا
وقال أبو العتاهية:
ألا إنّ بعد الذخر ذخرًا تنيله ... وشرُّ كلام القائلين فضوله
عليك بما يعنيك من كلّ ما ترى ... وبالصَّمت إلاّ عن جميلٍ تقوله
وله:
وحسبك مَّمن إن نوى الخير قاله ... وإن قال خيرًا لم يكذِّبه فعله
كان يقال: العافية عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الصمت، وجزء في الهرب من النّاس.
كان يقال: من طوَّل صمته، اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة مالا يضرّه. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"إن من شرار النَّاس الذين يكرمون اتّقاء ألسنتهم".
وقال الشاعر:
صمتُّ على أشياء لو شئت قلتها ... ولو قلتها لم أبق للصُّلح موضعا
وقال منصور الفقيه:
خرسٌ إذا سألوا وإن ... قالوا: عييٌّ أو جبان
فالعيّ ليس بقاتل ... ولربّما قتل اللّسان
كان يقال: اخزن لسانك كما تخزن مالك.
قال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيءٍ سواه بخزَّان
وقال آخر:؟ لعمرك إنّ صمتك ألف عامٍ لأصلح من كلامك بالفضول
فأمسك أو ترى للقول وجهًا ... يبين صوابه لذوي العقول
روينا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، أخذ يومًا بطرف لسانه وقال: ها إنّ ذا أوردني الموارد.
وقال ابن مسعود رحمه الله: إن كان الشُّؤم ففي اللّسان، ووالله ما على وجه الأرض شيءٌ أحقّ بطول سجن من اللسان.
أخذه الشاعر فقال:
وما شيءٌ إذا فكَّرت فيه ... أحقّ بطول سجنٍ من لسان
كان يقال اللّسان سبع عقور.
قال الشاعر:
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثًا مغيرا
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم".
قال الله عزّ وجل:"ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ"، وقال:"وإنّ عليكم لحافظين كرامًا كاتبين، يعلمون ما تفعلون".
وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال:"إن الله عند لسان كلّ قائل، فلينظر كلُّ امرئ ما يقول".
قال عمَّار الكلبي:
وقل الحقّ وإلاّ فاصمتن إنَّه من لزم الصَّمت سلم
إنّ طول الصّمت زينٌ للفتى ... من مقالٍ فيه عيٌ وبكم
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"رحم الله امرءًا أمسك فضل لسانه، وبذل فضل ماله، وعلم أن كلامه محصيٌ عليه".
قال الأصبحيُّ: من كثر كلامه كثرت خطاياه.
وقال أبو الدَّرداء: من فقه الرَّجل قلَّة كلامه فيما لا يعنيه.
وقال مالك بن دينار: لو كانت الصُّحف من عندنا، لأقللنا الكلام.
قال الشاعر:
في نبوة الدَّهر لي عذرٌ فلا تلم ... من أقعدته صروف الدّهر لم يقم
حصرٌ يقصّر بي عن كلِّ مرتبةٍ ... وما تقصّر عن نيلٍ لها هممي
إن عابني عائبٌ بالصمت قلت له ... حبس الفتى نطقه خيرٌ من النَّدم
وقال معقر بن حمارٍ البارقي:
الشِّعر لبّ المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النَّبل
قال عمر بن عبد العزيز: المحظوظ التَّقّي يلجم لسانه، أخذه الحسن بن هانئ فقال:
إنَّما العاقل من أل ... جم فاه بلجام
مت بداء الصَّمت خيرٌ ... لك من داء الكلام
سئل عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - عن قتلة عثمان، فقال: تلك دماء كفّ الله عنها يدي، فأنا أكره أن أغمس فيها لساني.